بناء الشركة وبناء السوق في تأسيس صناعة جديدة

استمعت اليوم لحوار المخرج مالك نجر مع فريق ثمانية واللي تحدث فيه عن تجربته المهنية والشخصية. اللقاء مدته حوالي الساعتين والنصف، بالنسبة لي كان حوار مشوق ومفيد وربما هي المرة الأولى التي اجد نفسي اقضي أكثر من ساعتين متواصلة للاستماع دون توقف. ما لفت انتباهي واحببت التحدث عنه هنا هو النصف الأول من الحوار والذي يتحدث عن تجارب مالك نجر وشركائه في تأسيس استديو الانتاج الخاص بهم –ميركوت-. وكيف أنهم بالإضافة إلى عدد من الاستديوهات الأخرى لم يكونوا يعملون على تأسيس شركات فحسب، بل في الوقت ذاته، تجهيز وبناء صناعة الإنتاج السينمائي في المملكة.

إن كنت متابعًا لما أكتبه فقد تعرف بأني دائمًا ما أشير إلى خلل في صناعة الاستثمار الجريء لدينا، مرتبط بالفرق بين بناء والاستثمار في الشركات الناشئة وبناء والاستثمار في الصناعات أو الأسواق. فالبعض من المستثمرين ورواد الأعمال ينظرون في تجارب ريادة الأعمال في دول أخرى، تختلف البنى التحتية ومقومات الصناعة فيها عما هو موجود لدينا. ثم يتم محاولة استنساخ أو استلهام من تجارب تلك الأسواق. والنتيجة  -دون التعميم- سوق مشوه غير مكتمل وغير ناضج، وشركات أشبه بالغرف المبنية على قواعد ضعيفة لا أسس قوية تحميها من متغيرات السوق والمنافسين. لم أصل لهذه المعلومة من خلال التنظير، بل من خلال الملاحظة والعمل مع عدد من أصحاب المشاريع الناشئة، ومن العمل في الصناديق الاستثمارية، وكذلك في القطاع العام.

قبل الاسترسال في الموضوع، لا بد من التأكيد على أن ما سأقوله لاحقاً، ليس القصد منه الانتقاد بقصد التقليل من المجهودات المبذولة، ولكن محاولة لتصحيح الاتجاه ولفت النظر إلى أمور قد يغفل عنها العاملين في السوق. فالمقصد الأول والأخير هنا، هو المساهمة في النهضة التي نعيشها جميعاً، ومحاولة الاستفادة من الموارد المتاحة بأكبر قدر ممكن، وتحقيق الأهداف بأسرع وقت ممكن، دون التضحية بالاستدامة وقدرة الشركات المحلية على المنافسة.

بناء السوق وبناء الشركة

بناء الشركة وتأسيسها عملية صعبة وشاقة، وقلة هم من يجدون في انفسهم القدرة على أخذ هذا الطريق الشاق والنجاح فيه. وربما أننا نعيش عصر ذهبي شهد ولادة العديد من المشاريع يقف خلها رواد أعمال، أو رواد صناعة، تمكنوا من شق طرق لم تكن موجودة قبلهم أو غير معبدة في أفضل الأحوال. تطبيق مرني في صناعة نقل السيارات والمساعدة على الطريق، تطبيق نعناع في صناعة توصيل منتجات البقالة، تلفاز ١١ في صناعة السينما، وميركوت في صناعة الرسوم المتحركة، وغيرهم الكثير. ولكن لاحظ أن مبادرات هؤلاء لم تكن لتأسيس شركاتهم فحسب، بل كانت لوضع قواعد لصناعة وسوق جديد، حدث أن تكون شركاتهم ضمنه.

دائماً ما أفضل استخدام تشبيه بناء العمارة فوق قطعة من الأرض عند التحدث عن بناء الشركة في داخل السوق -العمارة هي الشركة والأرض هي السوق. في الأسواق القائمة، والذي يكون دور الشركة فيها إعادة تهيئة السوق أو تنظيمة، تكون عملية البناء أشبه بالبناء فوق أكوام من الركام والحطام. ولذلك قد يكون دورك -كصاحب مشروع- التأكد من أن بنائك سيكون متين وعلى قواعد صلبة. لكي لا يتسبب تحرك الركام بانهيار شركتك. ولتوضيح التشبيه في هذه الحالة، لنأخذ مثال خدمات بيع الخضروات والفواكة، سوق الخضروات هو أحد اقدم الأسواق وأعرقها. عندما يقوم رائد أعمال ببناء شركة ويربط خدماته مع سوق أو موزعي الجملة، فإنه في هذه الحالة تقبل كافة الإشكاليات وقلة الكفاءة وسوء الإدارة الموجودة في السوق -إن وجدت- وبنى مشروعه فوقها. وهنا هو حتى مع استخدامه للتقنية، لايزال مهدد بدخول لاعب جديد يعيد ترتيب تلك المراحل السابقة له، وحينها أصبح هذا الجديد هو من يمتلك القوة ومصدر القيمة المضافة فيه، وبالتالي يحق له التحكم في الأسعار بشكل أقوى.

أما في حالة الأسواق الجديدة، فإن الأمر مختلف، هو أشبه ببناء قرية في وسط الصحراء. سيكون الهم الشاغل هو معرفة القاطنين في تلك المنطقة والاستفادة منهم ومن خبراتهم وتجاربهم في المنطقة. ثم محاولة بناء العمارة الخاصة بك في الصحراء والتأكد من أن تواجد الخدمات المكملة والمساندة. كالطرق والكهرباء والمياه، لكي تجذب هذه القرية المزيد والمزيد من الساكنين لتعمير تلك المنطقة والاستفادة منها ومن خيراتها. سوق كالإعلام هو أشبه بهذه الحالة حالة البناء على الركام. لو استمعت لحوار مالك، فإنه قد اشار لأكبر تحدي واجهته شركة ميركوت، وهو في القصور في الخدمات المساندة للصناعة الانتاج. بداية من التمويل للمشاريع، وصولاً للخدمات الواقعة ضمن صميم الصناعة كالتحريك وكتابة السيناريو ووكالات إدارة أعمال الممثلين والمؤدين والموسيقيين، وانتهاءًا بالخدمات التخصصية الأخرى كمستشاري الملكية الفكرية وإدارة الشؤون المالية والتسويق.

ما سبق يجعلنا نعيد النظر في الريادة والابتكار، فالريادة لا تنطبق فقط على بناء الشركات واستقطاب التقنيات الحديثة للصناعة، أو الانكفاء على الذات وتطوير الشركة بمعزل عن السوق. بل إن في حالات كثيرة، تحقق الريادة للشركة والتميز في الصناعة، يوجب النظر لما وراء الشركة. وحينها سيكون التغير أعمق أثرًا واكثر استدامة. وبتحقق ذلك يمكنك القول أن الشركة فعلاً تسيطر على السوق، وتفهم تحركاته، حتى وإن لم تكن محتكرة للصناعة. فالسبق في السوق ليس بالضرورة بإطلاق المنتج قبل الآخرين، ولكن في معرفة القيمة الفعلية ومحركات السوق للسيطرة عليها. وحينها حتى وإن لم تكن شركتك في الواجهة فإنها ستبقى هي المستأثرة بالسوق.

تطبيق ما يحدث في السوق

يقول البعض بأن الاستثمار في الشركات التقنية يهدف يبدأ من العمارة -كما هو التشبيه- ثم يغوص في القواعد ليتم تنظيفها وتهيئة السوق مع مرور الوقت. نظرياً هذا صحيح، وقد يكون هو الأسلوب الأمثل والذي قد يتبعه أصحاب بعض المشاريع. ولكن فعلياً وما هو مشاهد بأن الكثير من الاستثمارات الجرئية في المنطقة لا تقوم بذلك، لأن هدفها هو النمو الأسهل والسريع وليس النمو البعيد المدى والقوي. ففي الأسواق القائمة، التركيز على التوسع الأفقي، بإضافة خدمات جديدة، واستهداف شرائح جديدة من العملاء. ولو طبقنا التشبيه هنا، سيكون الأمر أقرب لبناء عمارة ملاصقة للعمارة الحالية. وهذا فعلاً يضخم القيمة ويكبر الحجم، ولكنه لا يزيل خطورة إنهيار القواعد. فتبقى الشركة معلقة وتحت رحمة المبتكر الجديد.

أما في حالة الأسواق الجديدة، فإن ما يتم هو استثمار في الشركات وتكبير حجمها دون الاستثمار في السوق أو مقوماته. والتشبيه هنا أصبح، ببناء أدوار إضافية للعمارة الواقعة في منتصف الصحراء. وهنا أيضاً سنرى تضخم لحجم المشروع وزيادة في عملياته، ولكن ذلك لن ينعكس بشكل واضح على القطاع الذي تقع فيه الشركة. بالتالي ستبقى الشركة محدودة بحجم العمليات المتاحة والتبادل التجاري في السوق. بالتالي بنفاذ مبلغ الاستثمار الذي تم ضخه في الشركة، ستتوقف الآلة عن العمل، وبعض النظر عن حجم الشركة ستتوقف، بل إنه كلما كان حجمها أكبر كلما كانت احتمالية فشلها أعلى.

تحريك سوق قطاع الإنتاج الإعلامي لا يكون بكثرة وحجم الاستثمار في الشركات الإعلامية، ولكن في قدرة المستثمرين على توليد مشاريع جديدة يتم العمل عليها بتكامل بين أطراف متعددة في السوق. التمويل  الجريء لمشروع -فيلم سينمائي- مثلاً، يبدأ من وضع ميزانية لعدد من الأفلام وضخ النقد في الفيلم -وليس الشركة- مع تشجيع الشركة القائمة على انتاج هذا المشروع على استقطاب كفاءات من السوق للعمل على المشروع وتجربته. ثم تشجيع وإرشاد هذه الكفاءات لتحويل مساهماتهم إلى شركات صغيرة، يتم تخزين التجارب والممارسات الخاصة بالصناعة.

التحدي الرئيسي في هذا النوع من البناء أن المهتم بهذا السوق يدخل فيه ليس لتحقيق النجاح الأول والسريع فقط، بل يبحث عن النجاحات الكثيرة والمتكررة والتي ستتولد مع نمو السوق وازدهاره. وفي ذلك سيكون عليك وضع عين عن على مقومات الصناعة الأساسية ومدى توافرها وازدهارها. والعين الأخرى على تكامل الأدوار والربط بين العرض والطلب في السوق. قد تسمع بأن هناك وكالات لإدارة شؤون الممثلين مثلاً، ولكن تفعيل هذه الشركات يتطلب منك أنه ستفضل الممثل الذي يأتي من أحد تلك الوكالات. وستشجع الممثلين على التسجيل مع تلك الشركات. كما أنك ستحاول تطوير تلك الصناعة الجزئية وستساند القائمين عليها لتكون مستدامة وذات قيمة عالية في السوق.

تتوزع الأدوار هنا بين اللاعبين الرئيسين في السوق، بداية من الجهات الحكومية والشبه حكومية، ثم للمحترفين وأصحاب الأفكار والمشاريع، ووصولاً إلى المستثمرين في هذه الصناعة. ولننظر في كل طرف من هذه الأطراف:

الجهات الحكومية وشبه الحكومية

لعل أكبر دور لعبته ولا تزال تلعبه هذه الجهات هو فتح الخيارات لتصريف المعروض من خدمات. بداية من إطلاق السينما، مروراً بالهيئات الثقافية، وتصنيف المهن الاحترافية، إنتهاءاً بالمدينة الإعلامية السعودية المترقب إطلاقها قريبًا بمشيئة الله تعالى. وقد تكون من النقاط المحسوبة للقائمين على هذه الجهات هو قلة أو محدودية التدخل في الصناعة، ومحاولة إعطاء الفرصة للصناع والخبراء في المجال لتولي دفة القيادة البيئة. على المدى القريب قد لا تشعر الأطراف الأخرى بأهمية التدخل الحذر في السوق، وقد يشتكون من قلة الدعم، ولكن على المدى القريب، سيكون هذا سبب في بناء صناعة مستقلة وقوية قادرة على المنافسة الإقليمية والعالمية.

وهنا اقتبس من كلام مالك الذي ذكر بأنه لا يفضل وجود الدعم المباشر للصناع. وذكر بأن محدودية الدعم جعلت الفريق يفكر في التدرج في تقديم منتج متناسب مع حجم الطلب في السوق. ثم كان ذلك سبب في وضعهم أمام تحدي لمعرفة كيفية بناء منتج بشكل صحيح وبميزانية محدودة. وهذا ما تحتاجه فعلياً لبناء شركات ومشاريع قوية ومستدامة. لا مشاريع تقوم مع وجود الدعم وتموت عند توقفه.

الشركات والمحترفين

نظراً لأن هذا السوق وليد وجديد، فهدف الشركات يجب أن يكون الاهتمام ببناء السوق والصناعة قبل الشركة. أي أن ما يجب التفكير فيه هو تحقيق مكاسب البيئة والصناعة قبل تحقيق المكاسب الشخصية.  وهذا يستدعي التخصص مع التعاون والتكامل. الدعم والتداخل بين الشركات الموجودة في القطاع تسير في هذا الاتجاه. حجم التعاون بين الشركات -خصوصاً الشركات الناشئة- كبير، والدعم والتوصيات بين الشركات دائم ومستمر.

لو عندنا للوراء خمس سنوات، معظم هذه شركات الانتاج بدأت من اليوتيوب، وبعضها لا يزال هنا. ولكنها تخصصت وتفرعت. هناك شركات تخصصت في الإنتاج السينمائي، وشركات للإنتاج الكرتوني، وشركات للبرامج التلفزيونية والحوارية، والبرامج الوثائقية والتعليمية، هذا من جهة التوسع الأفقي. أما من الجانب التكامل العمودي، فهناك شركات تخصصت في التسويق والدعاية، وشركات تخصصت في عمليات إدارة شؤون الممثلين، وأخرى في التصوير والإنتاج، وأخرى في الكتابة الإبداعية.

أزعم أن ما سبق هو تحرك في الاتجاه الصحيح، ولكن يلزمه الاستمرارية. وهذا أمر يحتاج أن يستوعبه أعضاء المنظومة. فمع النضوج، ودخول المستثمرين، قد يتحول التركيز على النمو السريع ويزول الاهتمام بالتخصص تذكر أن في حالة السوق الناشئ الهدف هو ضمان اكتمال المنظومة، وبالتالي فإن الموارد يجب أن تتوجه أولاً لاكمال الحلقات المفقودة والشاغرة في سلسلة القيمة الخاصة بهذه الصناعة.

المستثمرين

الدور المنوط بالمستثمرين محوري وأساسي، وحالياً هو شبه معدوم في السوق. في البداية يتوجب على المستثمرين استيعاب أن الاستثمار في الانتاج السينمائي يختلف عن الاستثمار في الشركات الصناعية والتقنية. آليات الاستثمار مختلفة، فشركات الانتاج تعتمد بشكل رئيسي على مهارات المالكين، وقد لا تحتاج للضخ المستمر بعد رأس المال التأسيسي. شركة ميركوت -الشركة المالك لمسامير- وغيرها، قد لا تحتاج للمزيد من الشركات والأموال ليتم ضخها في الشركة، ولكنها متعطشة جداً للمستثمرين لتمويل الجزء الثاني والثالث والرابع من فيلم مسامير. وهكذا الشركات الأخرى.

هدف المستثمرين هنا ليس تحقيق النجاح السريع لشركة “يونيكورن”، ولكن بناء صناعة يستطيعون من خلالها الاستمرار بضخ الأموال وتحقيق العوائد. فحتى وإن ولد استثمار في شركة ليونيكورن فإن هذا اليونيكورن سرعان ما سيموت لعدم وجود مقومات الاستمرارية في السوق.

الخاتمة

أتفق كثيراً مع ما ذكره الأخ مالك نجر، وكذلك مع رؤية شريكه عبدالعزيز المزيني والذي كان لي شرف لقاءه والاستماع لأفكاره وتطلعاته لقطاع الانتاج السينمائي في المملكة. الطريق أمامنا لا يزال طويل، والفرص لا تزال متاحة للرواد. خصوصاً مع مبادرات وزارة الثقافة والهيئات التابعة لها. وأيضًا الإهتمام الذي يوليه المستثمرين ويشعرون به تجاه هذه الصناعة التي نمتلك مقومات الريادة فيها ولكن لم يتم استغلالها كما يجب.

استطردت في مناقشتها كمثال، مع ايماني بأنها كنموذج يستحق التوقف عنده ودراسته، والدروس المستنبطة لا تنطبق على هذا السوق لوحده ولكنها قابلة للتطبيق على قطاعات وصناعات أخرى.

اترك رد