مع شركات التوصيل!

رمضان مبارك عليكم، وأعانكم الله على صيامه وقيامه وصالح الأعمال فيه. يأتي رمضان هذا السنة والعالم يعاني من جائحة كورونا التي أثرت على الأعمال والشركات، وأؤمن بأن عالم ما بعد كورونا سيكون مختلف عن عالم ما قبله. أدعوا الله أن يحفظنا وإياكم من شر الأمراض، وأن يمدنا وبالصحة والعافية. البشائر والتغيير الإيجابي أحياناً يولد من بطن المصائب. ومن مصيبة كورونا، تولدت الكثير من الإيجابيات وفرص التغيير. ولعل أوضحها ما حصل من التلاقح بين الأفكار وإجتماع الناس لمواجهة هذه المشكلة. قبل أسبوعين عُقدت جلسة افتراضية بين عدد من المهتمين في قطاع المطاعم نظمتها جمعية قوت وملتقى اتحاد الضيافة وملتقى رواد الضيافة لمناقشة موضوع تطبيقات التوصيل. إن لم تكن قد إطلعت على الجلسة فأنصحك أن تقوم بذلك.

قبل سنوات، تحديداً قبل ثلاث سنوات، دار نقاش بيني وبين أحد الزملاء حول نموذج الاقتصاد التشاركي، ونشرت مقالاً في أحد المدونات التي كنت أكتب فيها (يمكن الوصول للمقال هنا) لو كنت ترغب بقراءة ما كتبته حينها. الفكرة التى كنت أزعمها في المقال، أن الاقتصاد التشاركي هو ليس نموذج عمل مستقر بحد ذاته، ولكنه آلية يمكن للشركة من خلالها أن تتوسع بشكل سريع. وهذا ما يطلبه المستثمرين الجريئين. ونظراً لما تم نقاشه سأحاول العودة لموضوع المقالة، وأضيف عليه بعض التفاصيل التي لم انشرها حينها وأعتقد أنها على علاقة بما يحدث بين المطاعم وشركات التوصيل.

أهم الأفكار من المقال السابق

  • الاقتصاد التشاركي هو نموذج للتوسع السريع وليس آلية عمل مستقرة يمكن بناء شركة عليها.
  • الاقتصاد التشاركي ليس نموذج مربح على المدى البعيد.
  • الاقتصاد التشاركي آلية ليست ذات كفاءة عالية، تكاليفها أعلى مما يجب.
  • بقاء الاقتصاد التشاركي مرهون بعدم وجود ضوابط وتشريعات وقوانين صارمة متساوية مع التشريعات الخاصة بالآليات البديلة.
  • جزء كبير من التكاليف الخاصة بالعمليات التي تنفذها شركات الاقتصاد التشاركي يتم تجاهلها أو يتم تحميلها على الشخص (المقدم للخدمة).

وتوقعت في نهاية المقال أن القوانين ستلحق بهذا السوق، وحينها السوق سيعدل من نفسه، وستختفي الشركات التي تعتمد على الاقتصاد التشاركي بشكل كامل، وستبقى تلك الشركات التي تستخدم نظام خليط بين الاقتصاد التشاركي، وآلية عمل تقليدية (إمتلاك اسطول مثلاً) والموازنة بين النموذجين.

ماهي المشاكل التي تحلها شركات التوصيل في السوق

لنستوعب الخدمة التي تقدمها شركات التوصيل، يجب أن نفهم السوق الذي تعمل فيه أولاً. شركات التوصيل على الرغم من أنها تقع تحت مسمى واحد، إلا أنها فعلياً تعمل في سوقين. الأول هو خدمة التوصيل للبضائع والمأكولات، وهذا سوق جديد بديل لعملية قيام الشخص للتبضع بنفسه، أو ارسال السائق. الشريحة المخدومة هنا هم الأفراد والأشخاص الراغبين بالحصول على تلك الأشياء ويفضلون سهولة الخدمة وما تتيحه لهم من وقت إضافي لإنجاز أعمال أخرى أو للراحة. لاحظ أننا هنا لا نتحدث عن المطاعم فقط، بل كافة الاحتياجات اليومية والسريعة التي تتطلب من الشخص الخروج وانجازها لأنها لا تستحمل التأخير. والقيمة التي يقبل بها العميل هنا لا يمكن حسابها، لأنها ترتبط بالقوة الشرائية للشخص، وتقديره لقيمة الوقت والجهد الذي يبذله لو قرر إنجاز تلك المهام بنفسه.

السوق الثاني الذي تعمل فيه هو المأكولات. وهذا السوق قائم وموجود، تعمل فيه الكثير من المطاعم والمقاهي. وما تقدمه شركات التوصيل هنا حل بديل لعملية التسويق والتوصيل. فبدل أن يصرف المطعم آلاف الريالات بشكل شهري على تسويق بضائعه ومثلها في عملية التوصيل. وكلا العمليتين لن تتم بكفاءة عالية كون معظم المطاعم الصغيرة لا تستحمل التكاليف الثابتة للتسويق ولا التوصيل. كما ان احتياجها لكلا الخدمتين موسمي وليس على طول الوقت. تتولد الحاجة لتوفير الخدمة من خلال طرف ثالث، متخصص في خدمة التوصيل وأيضا التسويق. لاحظ أن المطعم يمكنه الحصول على كل خدمة بشكل مستقل، وليس بالضرورة من جهة واحدة. بل إن حصوله عليها بشكل مستقل قد يعني كفاءة أعلى. وهنا يأتي السؤال المهم، هل يمكن حساب سقف لما يجب أن يدفعه المطعم؟ الجواب نعم. المطعم يمتلك قائمة أرباح وخسائر، وما يمكن لشركة التوصيل الحصول عليه يجب أن لا يتجاوز هامش الربح الإضافي الذي حصل عليه المطعم من خلال توفيره لمصاريف التوصيل والتسويق، والزيادة التي حصل عليها من خلال زيادة مبيعاته.

ولكن ما يحدث فعلياً في السوق، أن معظم شركات التوصيل لا تستهدف أحد هذين السوقين، بل تعمل على الاثنين معاً. وهذا يوقعها في تعارض للمصالح وإشكاليات خاصة بنموذج العمل والتكاليف. وأضف لذلك التعارض أن هناك طرف رابع في المعادلة وهم السائقين الذين تحتاج شركة التوصيل إلى إرضائهم.

تكلفة أعمال شركات التوصيل

يقوم نموذج الاقتصاد التشاركي على التكلفة المتغيرة لعمليات التوصيل. فشركة التوصيل تمرر الطلب للسائق الذي يأخذ عمولة ثابتة على عملية التوصيل، وتقتطع شركة التوصيل حصتها من هذه المبلغ. البديل لهذا النموذج أن تقوم شركة التوصيل بتوظيف سائقين وسيارات تدفع لهم رواتب شهرية ثابتة. عندما تكون الطلبات واضحة ومستقرة تكون التكلفة على شركة التوصيل أقل مع تثبيت التكاليف. ففي هذه الحالة اعتماد الشركة سيكون على جودة التخطيط وإيجاد الأعمال لإشغال السيارات والسائقين بطاقتهم القصوى. فلو كان السائق والسيارة يكلفان الشركة أربعة آلاف ريال في الشهر، فإن على الشركة التأكد من تغطية هذا المبلغ من خلال رسوم التوصيل، وأي مبلغ إضافي فهو ربح. وهنا التكلفة ثابتة والربح متغير بزيادة الطلبات. أما في حالة التكلفة المتغيرة، فإن التكلفة لعملية التوصيل متغيرة، وبالتالي فإن الربح نسبي وثابت. أي أن الشركة في هذا النموذج لا تربح من زيادة الكفاءة ورفع مستوى الإشغال للسيارات والطلبات. ميزة هذه النموذج أنه أقل تكلفة على الشركة في حالة وجود ضعف على الطلب أو عدم انتظامه.

بمعنى آخر أن الشركة عندما تدفع أربعة آلاف على السيارة والسائق، طالما أنها تضمن تشغيل السيارة بطاقة تولد عوائد أعلى من تكلفتها فإنه من الأفضل لها امتلاك السيارة بدل استئجارها. المشكلة في المطاعم أن الطلب غير منتظم. فيجد المطعم أنه في أوقات معينة يحتاج لأربع سيارات لتلبية الطلب، وتأتيه أوقات لا يحتاج فيها لأي سيارة. ولذلك لو كنا نتحدث عن موازنة السوق الخاص بالتوصيل، فإن هناك احتياج في قطاع آخر غير المطاعم لعملية التوصيل، تعاكس أوقات الذروة فيها أوقات طلبات المطاعم. وقد يكون الطريق للإستفادة من التوازن ورفع كفاءة السوق، بأن يحصل مشاركة بين السوقين. مثلاً، على الفرض أن السوق المعاكس هو سوق توصيل بضائع البقالات، لو وجدت سيارة تقوم بالعمل على مدار الساعة، توصل بضائع من الموزعين للبقالات في الفترة الصباحية وبعد العصر، ثم تعمل لتوصيل طلبات المطاعم في فترة الوجبات اليومية، قد ترتفع نسبة كفاءة تلك السيارة، وتنخفض تكلفة تشغيلها. وهذا هو الدور المفترض أن تلعبه شركة التوصيل.

للمزيد من النقاش حول نقطة التكاليف وإدارتها أنصحك بالاستماع لمداخلة الأستاذ نادر القحطاني مؤسس ومالك مطاعم السندباد في الجلسة أعلاه أو الإطلاع على حسابه في منصة تويتر.

كيف سيكون المستقبل؟

السؤال التالي، طالما أن نموذج العمل الخاص بشركة التوصيل لا يركز على الكفاءة لماذا تستخدمه المطاعم، والعملاء، ولماذا لا يوجد بديل له؟

تأسيس أي شركة في البداية يتطلب استثمار وبناء، ولذلك ينصب التفكير وقتها على الإنطلاق واللحاق بالركب. التكاليف والمصاريف لا تكون جوهرية، فالموضوع صراع للبقاء. بعدها ومع هدوء المعركة، يبدأ الجميع باحتساب خسائره وإعادة النظر في المكاسب والخسائر المحققة. وهذا ما حدث في البداية، شركات التوصيل في السنوات الماضية لم تكن خياراً. للطرفين الذين كانت تمثل لهم هذه العملية سوق وينظرون لها من زاوية تجارية بحته، المطاعم وشركات التوصيل.

المطاعم لم تكن تمتلك الخيار، فإما أن تلحق بالركب وتعرض بضائعك في تطبيقات الجوال. وخيار إطلاق تطبيق أو منصة خاصة لم يكن متاحاً وقتها لوجود تكاليف عالية جداً متعلقة بتعريف العملاء على طريقة الطلب وإقناعهم للدفع والشراء عبر الانترنت. شركات التوصيل، ومع موجة الاستثمار الجريء كان لها الكثير من النقد لتحرقه في اقناع العملاء، كما أن تخصصها في مجال التقنية، سهل عملية تطوير التقنية وتعود الناس عليها. وبمرور الوقت، بدأت هذه الشركات بمحاولة فرض نفسها كبديل للمطعم نفسه. فبعد أن كانت هي من يقدم الخدمة للمطعم، أصبح المطعم هو من يقدم لها الخدمة وهي من تدفع له.

من الواضح أن تلك المرحلة انتهت أو اوشكت على النهاية. تقبل الناس للطلب عبر الانترنت أعلى وأسهل. كما أن المطاعم بدأت، وهذا الواضح من خلال النقاش أعلاه، في إحصاء الخسائر. وتقييم القيمة المضافة من تطبيقات الطلب عبر الانترنت. معظم شركات التوصيل لم تستغل المرحلة السابقة، لتصحيح آليات عملها، والتركيز على إحدى الشرائح، العملاء، المطاعم أو السائقين لخدمتهم بشكل أفضل والحصول على ولائهم. وبالتالي، لا يوجد طرف يشعر بأنه العميل الرئيسي أو مركز اهتمام تلك التطبيقات. والكثير يراهم متغولين وأنانيين يفكرون في مصالحهم وأرباحهم فقط.

المرحلة القادمة ستعتمد على التخصص وإعادة ترتيب الأوراق والأدوار. بداية من القوانين التي أتوقع أن تسن لضبط عملية توصيل المأكولات لضمان صحة العملاء، وهذه تكلفة لا تتحملها شركات التوصيل حالياً. وأيضاً، السائقين قد يحصلون على بعض الحقوق الخاصة بالتوظيف أو المزايا الإضافية، مع تطور قوانين العمل الجزئي والعمل الحر، وهذه تكاليف إضافية لا تتحملها شركات التوصيل الآن. لتصبح قواعد اللعبة واحد على الجميع. ويصبح بإمكان من يرغب بالتخصص في إدارة اساطيل التوصيل ورفع كفاءة عملياته المنافسة.

ثم سيكون على شركات التوصيل ولضمان بقائها ضمن منظومة السوق التخصص. بين من يركز على العملاء وخدمتهم بشكل أفضل من خلال ضمان وجود خيارات متعددة وقابلية لطلب أمور مخصصة. وشركات توصيل تركز على تحسين كفاءة تكلفة التوصيل بتشغيل السائقين وإمتلاك أساطيل سيارات وسائقين متوافقة مع الاشتراطات. وشركات خدمة المطاعم التي تقدم خدمات دعم وتشغيل كالتسويق والمطاعم المركزية. أما المطاعم، فالمتوقع أن تخرج المطاعم الكبيرة، وهذا بدأ، من منظومة التوصيل الحالية، وامتلاك وتشغيل اساطيل التوزيع بمفردها.

هذا توقعي، والذي يحتمل الصحة والخطأ، ما رأيك؟

5 أفكار بشأن “مع شركات التوصيل!”

  1. نسيت ذكر نقطة هامة
    وهي في رأيي شبيهه بل وأخس من التستر وهي جريمة
    وهي ان بعض التطبيقات تعتمد على تشغيل عمالة الغير بل واستخدام سيارات الشركات والاخرين بدون اذنهم

    1. صحيح أخوي عادل، وذكرت هالملاحظة في الجلسة على لسان أكثر من مشارك..
      في الجلسة كان هناك ممثل لإحدى شركات التوصيل، وذكر بأنه حسب اشتراطات وزارة الاتصالات يتم مراقبة هالموضوع، ولكن كثرة الشكاوى قد تؤكد وجود حالات لبعض الشركات.. وهذا أمر المفترض أن يتم حله مع توضيح التشريعات وتكثيف الرقابة.
      طبعاً ولا شك أن هذا الامر لو كان موجود فهو جريمة مثل ما ذكرت لإساءة السائق باستخدام رخصة عمله في غير مكانها، وكذلك في اساءة استخدام ممتلكات الشركة (السيارة). ومن الطرف الثاني، بالنسبة للمنافسين الذين يلتزمون بالنظام ستكون التكلفة عليهم أعلى..

  2. ماذا عن شركات التوصيل بشكل عام في غير مجال المطاعم استاذ جاسم. ماهو توقعك لهذا القطاع. ملاحظ موجود عدد شركات لا باس به ولكن لم ارى شركة لهذا نموذج عمل خاص بها واعتقد ينطبق عليها ما ينطبق على شركات توصيل الاطعمة من حيث عدم التركيز على توجه معين. فهل تتفق مع هذا الطرح ام لا؟
    وهل تعتقد انه بامكان شركات التوصيل الناشئة بامكانها التركيز على توجه معين يخدم القطاع ويحقق لها نمو مستدام؟

  3. تنبيه Pingback: كيف تنقذ تطبيقات التوصيل المطاعم؟ – ثمانية

  4. تنبيه Pingback: كيف تنقذ تطبيقات التوصيل المطاعم؟ | بودكاست أرباع

اترك رد