تخارج الشركات الناشئة

كثر تداول مصطلحي الإندماج والإستحواذ (Mergers & Acquisitions – M&As) والطرح العام (Initial Public Offerings – IPOs) في الآونة الأخيرة. يستخدم هذان المصطلحان لوصف تخارج اصحاب المشاريع والمستثمرين، ببيع حصص ملكيتهم (أو اسهمهم في الشركة) لمستثمرين جدد. في المنطقة يتم التركيز بشكل كبيرة على الطرح، واعتباره المخرج الأمثل والأفضل خصوصاً لرواد الأعمال ومؤسسي الشركات. كيف لا، ونحن نسمع بالتقييمات المليارية لشركات التقنية عند طرحها للإكتتاب العام في الولايات المتحدة. في هذا المقال سأحاول تسليط الضوء على استراتيجة الإندماج والإستحواذ وعلى الطرح العام، بشرح مبسط لهم وعمل مقارنة بينهم. ثم سأحاول مناقشة ايهم سيكون الخيار الأمثل لصاحب المشروع.

لماذا يجب أن تفكر بالتخارج؟

يقال أن أول ما يتوجب عليك التفكير فيه بعد تأسيسك لشركة، هو استراتيجية التخارج. لا يعني ذلك أنك يجب أن تفكير في اقفال المشروع، ولكن يجب أن تنظر للمشروع أو الشركة كصندوق فارغ، تقوم خلال سنوات عملك عليه على زيادة قيمته بوضع خبرتك، وجهدك، ومالك وعلاقاتك. ليصبح هذا الصندوق الفارغ والذي كان لا يساوي شيء في الأيام الأولى، إلى ما قيمته مئات الآلاف أو الملايين. لا ننسى هنا أن جزء كبير من قيمة المشروع مرتبطه بالعرض والطلب. أي أنك تحتاج لأن تكون شيء مميز، وأن تجد الشخص أو الجهة التي ترغب بالحصول عليه.

لنأخذ مثال محل بقالة، فكرة المشروع هي صندوقك الفارغ، والذي لا يساوي شيء لأن أي شخص بإمكانه التفكير في المشروع. بحصولك على ترخيص العمل، أنت بدأت بخلق القيمة. وقيمة المشروع بالرخصة تحدده سهولة الحصول على الترخيص. بعدها ستبدأ بعمل الدراسات للسوق وتحديد مكان افتتاح البقالة الخاصة بك، وهذا البحث والمعلومات هي قيمة تمت إضافتها للصندوق. باختيارك للمحل وتحديدك لإستراتيجية العمل، إرتفعت قيمة مشروعك، وهنا ايضاً يأتي السؤال حول جدوى بيع الصندوق في وضعه الحالي. هل هناك عدد كاف من الراغبين بشراء المحل الجديد، وهل القيمة التي ستحصل عليها مجزية لك أو أنك تستطيع رفع قيمة الصندوق بإضافة المزيد من الأشياء له. يمكنك قبل بيعه أن تبدأ العمل وتكسب عملاء للمحل، وكذلك تؤمن شبكة موردين مميزة تسهل على مالك المشروع من تحقيق التوسع في العمليات. ماذا لو كانت لديك ملاءة مالية تمكنك من افتتاح عدد من الفروع على مستوى أحياء المدينة، وماذا لو انتشرت في مناطق الدولة، قبل أن تعرض المشروع للبيع كلياً أو جزئياً.

تزايد قيمة المشروع

الطبيعة البشرية تحكمنا فلا يوجد شخص يملك ويقدر على تنفيذ كل شيء. في المثال السابق، قد تجد نفسك قادراً اخذ المشروع من مرحلة لأخرى، ولكن لابد وأن تصل لمرحلة لا تستطيع تجاوزها دون مساعدة شخص آخر. وهنا تأتي الشراكة. قد تأتي هذه على هيئة علاقات، معرفة، مال، أو حتى جهد. المستثمر الناجح، ولا اقصد من يستثمر ماله فقط، من يوظف قدراته كلها مقابل حصوله على أكبر عائد ممكن. لذلك قد تصل لمرحلة تكتشف فيها أن عائدك على المشروع سيكون أكبر لو تركت إدارته أو تشغيله لطرف آخر. عدم التفكير فيما سبق، هو احد الأسباب الرئيسية لفشل الشركات العائلية، والتي تشير الإحصائيات بأن ٣٠٪ منها فقط تستمر للجيل الثاني، و١٢٪ للجيل الثالث، وفقط ٣٪ للجيل الرابع.

ما هو تعريف الإستحواذ والإندماج؟

الإندماج والإستحواذ هو مصطلح مالي، يقصد فيه عمليات بيع، شراء، تقسيم، أو جمع الشركات والكيانات للمساعد في نمو الشركة وزيادة قيمتها. ويلزم لإتمام العملية وجود طرفين: مُستَهدِف ومُستَهدَف. في الإستحواذ يكون التغيير في الملاك او نسبهم، أما في حالة الإندماج التام، يختفي الطرفين ويتولد طرف جديد يجمع الطرفين. تقوم الشركات بالإستحواذ أو تندمج فيما بينها لأحد الأسباب التالية:

  • اقتصاديات السعة (Economies of scale): تخفيض التكاليف من خلال الغاء الاقسام المشتركة وتقليل الجهود من خلال مشاركة الموارد وبالتالي زيادة نسبة الربحية.
  • البيع العابر (Cross selling): تسويق منتجات جديدة للعملاء الحاليين.
  • التعاضد (Synergy): الاستفادة من الخبرات الادارية او العملية لتقوية نقاط ضعف.
  • التنوع (Diversification): وقد يكون تنوع جيوغرافي أو في المنتجات أو نسبة العوائد.
  • التكامل العامودي (Vertical integration): ويقصد فيه استحواذ شركة على أحد مورديها أو عملائها لتضخيم الإيرادات ورفع الكفاءة.
  • زيادة المبيعات أو حصة السوق (Increase revenue or market share): الاستحواذ على المنافس لتكبير الحصة أو التحكم بشكل افضل في الأسعار.
  • تفعيل الموارد (Utilization of underperforming assets): رفع كفاءة وتفعيل موارد كالموظفين، الأصول أو المعرفة (براءات الإختراع).

الأمثلة على الإستحواذات كثيرة، وعلى سبيل المثال لا الحصل: استحواذ فيسبوك على واتساب، واستحواذ قوقل على يوتيوب واندرويد. وكذلك استحواذ أرامكوا السعودية على حصة في سابك. وإي تي أند تي على تايم وارنر.

ما هو تعريف الطرح العام؟

الطرح العام هي مصطلح مالي، ويتم فيه ادراج الشركة في سوق الأسهم العام ليتم تداول حصص الشركة من قبل المستثمرين، والذين قد يكونون افراد أو مؤسسات استثمارية. يشرف على العملية بنك استثماري يقوم بإعداد كافة الوثائق اللازمة لطرح الشركة للإكتتاب. تهدف عملية الطرح إلى جمع سيولة مالية من السوق للشركة المطروحة ليتم استخدام هذه السيولة في أعمال التوسع. عملية الطرح معقدة وتاخذ وقت اطول من الاستحواذ والاندماج. ولكون ملكية الشركة بعد الطرح ستؤول للسوق، فإن هذا الأمر سيضيف قيود على حركة الشركة، وذلك لحاجة الإدارة للإفصاح عن الكثير من المعلومات للمستثمرين، وكذلك اخذ موافقتهم على القرارات الجوهرية قبل إصدارها. وبطبيعة الحال رغبة الملاك في طرح شركتهم للإكتتاب لا تعني بالضرورة قدرتهم على ذلك، وتفشل الكثير من الشركات في الطرح حتى بعد البدء في اجراءات الطرح.

على الرغم من كافة الصعوبات والتحديات والقيود التي تصاحب عملية الطرح العام إلا أنها توفر للشركات المزايا التالية:

  • الحصول على تمويل من الإكتتاب وتمويل إضافي باصدار اسهم وبيعها في السوق، وهي ارخص بكثير من التمويل عبر القروض.
  • التوسع وتحسين صورة الشركة وقوتها في السوق.
  • جذب نوعية أفضل من الموظفين والمحافظة عليهم.

أيهما أفضل للشركات الناشئة؟

للأسف الكثير من المستثمرين الجريئين في المنطقة، يسوقون فكرة الطرح العام وكأنها نزهة في الحديقة. “دعنا نستثمر معك اليوم وغداً ستطرح شركتك بعشرة مليار ريال!”. وبعضهم ممن يقول بأن الأفكار لا تسرق، يرجع ويقول “احذر من المنافسين والعملاء، لا تفتح لهم المجال للاستثمار في شركتك، فهم سيسرقون فكرتك أو لن يعطوك قيمة مناسبة لها!”. بعيداً عن العواطف والحماس دعنا نختبر الاستحواذ والاندماج والطرح العام، ونحاول الوصول إلى معادلة تربط الحل المناسب بوضع مشروعك.

لا يختلف اثنان على أن خيار الطرح العام هو الخيار الذي سيعطي عائداً أكبر. ولكن عملية الطرح بحد ذاتها عملية معقدة، ويمكن وصفها بأنها استثمار. ولنجاح هذا الاستثمار يتوجب التأكد من أن للشركة قوائم مالية مدققة. وأن الشركة بما تحويه من أصول وأفكار، ستتمكن من جذب المستثمرين الذين يرون قيمتها. على الجانب الآخر الاستحواذ والاندماج، على الرغم من أن العوائد عليه قد تكون اقل، ولكنه ابسط بكثير من عملية الطرح العام. اجراءات الطرح العام في الولايات المتحدة تأخذ ما بين ٦ إلى ٩ أشهر، مقارنة بثلاثة أشهر كحد أقصى للإستحواذ. والأحصائيات تتحدث عن عدد الطروحات العامة عالمياً في حدود ٣٠٠ طرح سنوياً، ثلثها تقريباً من الولايات المتحدة، مقارنة بحوالي ٣٠ ألف عملية استحواذ واندماج عالمياً.

بالإضافة لما سبق، ومع معرفة بأن الشركات الناشئة في الغالب تفتقد للحوكمة، وقيمة اصولها وافكارها لكونها ناشئة لن يستوعبها الشارع، ستكون فرص تخارجها من خلال الاستحواذ والإندماج أفضل. سواء أكنت تمتلك مطعم صغير متميز بأحد اطباقه، أو تعمل على مشروع تقني لمراقبة خطوط الإنتاج، أو تمتلك موقع الكتروني لبيع البضائع. المشوار امام المشاريع السابقة للوصول إلى الطرح العام لا يزال طويل جداً، ويتطلب الكثير من الوقت والأموال. والتي يمكن في أي لحظة ان تتعثر لدخول منافس قوي يقدم خدمة مشابهة، أو عدم اهتمام المستثمرين الأفراد في ضخ المال في المشروع.

كلمة اخيرة، ورسالة لأصحاب المشاريع وللمهتمين في الاستثمار..

لأصحاب المشاريع، تذكر أن مشروعك قبل دخول اي مستثمر معك هو ملكك أنت وحدك. وعليك أن لا تكتفي بالإستماع لنصائح المستثمرين، ابحث واقرأ وحدد انت ما هو الأنسب لك. لا تنسى أن تستشير طرح محايد لديه خبرة، دون ان يكون لديه تعارض في المصلحة. المستثمر مهما كان صادقاً معك، في النهاية سيبحث عن مصلحتك والتي لن تتعارض مع مصلحته. وكما شاهدت في الفروقات بين الطرح والاندماج، كلا الخيارين صحيح، وربما الطرح هو الأفضل مادياً ولكنه أعلى خطورة وفرص نجاحه منخفضة جداً.

وللمهتمين بالإستثمار، تذكروا أن الفرص المميزة قد لا تكون في اتجاه القطيع. هناك فرص ذهبية قد تكون ذات تكلفة أقل، وربما تكون على توافق مع خبراتكم التقليدية. في الاستحواذ على الشركات ودمجها، لتكوين منظومات أقوى وذات كفاءة أعلى. وهذا المنتج هو ما يمكن في النهاية طرحه للإكتتاب أو بيعه للشركات الكبيرة.

1 أفكار بشأن “تخارج الشركات الناشئة”

اترك رد