أساليب التقييم: التقييم العكسي

في المقالين السابقين لاحظنا كيف أن عملية تقييم المشروع تتعقد وتزداد منطقية كلما نضج وتطور المشروع. بدأنا من المفاوضة عندما كان المشروع فكرة، وبعد أن بدأت الفكرة بالتبلور إلى منتج أولي، انتقلنا للأساليب التقليدية. وفيها ناقشنا الأسلوب السريع لرأس المال الجرئ، والذي يمكننا تشبيه بعملية أتمتة للمفاوضة. ثم أسلوب بيركس والذي يفترض أن المشروع والمنتج النهائي بدأ بالتشكل. ثم أخيراً مقارنة الشركات الشبيهة، والذي يعتمد على مقارنة شركتك بشركة ناضجة وكبيرة، مرت بجولة استثمارية على الأقل.

في هذا المقال سنكمل الحديث وسنختم أساليب التقييم بأسلوب التقييم العكسي، والذي يعد أنضج الأساليب قبل الأساليب التقليدية. يتضح في الشكل أدناه، أن التقييم العكسي يفضل استخدامه طالما أن المشروع وصل مرحلة من النضوج في مرحلة البذرة وحتى المراحل المتقدمة (المرحلة أ و ب و ج). استخدام الأسلوب العكسي يعني بأن المشروع أصبح ناضجاً لدرجة تمكن المحلل المالي من استنباط قيمة الشركة من بياناتها المالية، ولكن المشروع لم يصل لمرحلة الاستقرار التي تبرر استخدام الأساليب التقليدية. ولاحظ الفرق الجوهري بين التقييم العكسي والأساليب الغير تقليدية، ففي الأساليب التقليدية يتم تقييم الشركة وفقاً لوضع السوق والشركات المشابهة، أما التقييم العكسي فأنت تحلل وضع الشركة ذاتها.

شكل 1: التقييم العكسي

متى يستخدم التقييم العكسي؟

لنجيب على هذا السؤال نحتاج أن نستذكر الفرق الجوهري بين الشركات الإبتكارية والشركات التقليدية. ولتبسيط الفكرة لنستخدم الشكل التالي، والذي يوضح مراحل بناء مشروع ولنطبقه على شركة ابتكارية وشركة تقليدية. ولنركز على المرحل السبع في الشكل: فكرة، دراسة منتج أولي، منتج نهائي، تطوير، توسع، ونضوج.

شكل 2: مراحل بناء المشروع

في حالة الشركة التقليدية ولوجود تجارب لمشاريع سابقة مشابهة، فإن المحلل يستطيع استقراء نتائج كل مرحلة من المراحل. في المرحلة الأولى مثلاً، ممكن أن تتطور الفكرة إلى 5 أفكار، ثم ومع إجراء الدراسة فإن المؤسس سيختار أحدها. إلى هنا تتوقف مشاكل التطوير الأولي، فالخطوات التالية، وخصوصاً أن تفاصيلها مكتوبة في الدراسة، تمكن المحلل أو المستثمر من مقارنة هذا المشروع بنظائره. وبالتالي يسهل تحديد المخاطر المتعلقة بالتنفيذ. الأمر الذي يجعل الخطوات التالية تتحرك بشكل خطي، فكل خطوة تالية لها مهام بإنجازها تنتقل للتي بعدها. لذلك المستثمر يستطيع الإعتماد على الأساليب التقليدية لإرتفاع نسبة إمكانية وصول المشروع لمرحلة النضوج.

أما في حالة الشركة الابتكارية فإن كل خطوة يصعب توقع نتائجها، وإذا ما أضفنا إلى هذه المعادلة أن نتائج كل مرحلة ستؤثر على المرحلة التالية بشكل جوهري. بل ربما تأخذ المشروع في اتجاه جديد كلياً، أصبحت عملية التقييم التقليدي غير منطقية بل لا معنى لها. بالتالي ولو عدنا للشكل 2، فإن المؤسس في مرحلة الفكرة قد لا يعلم بأن منتجه النهائي سيكون على شكل ترس. ومع دخوله لمرحلة الدراسة، لم يعلم أنها ستحد خياراته لاحقاً بترس أزرق أو رمادي. ولتعقيد الأمور قليلاً، ربما أنه لو أستقر على الترس الأزرق، وطرحه في السوق قد تبين له تجارب العملاء أنهم يفضلون ترساً بلون آخر، مما قد يعيده لمرحلة الدراسة. ولو عاد لتلك المرحلة مره أخرى قد ينتج لديه منتج آخر لا يمت للتروس بصلة، وهكذا. ولكن، كلما تقدم المشروع وتمكن المؤسس من تجربة المنتج واختباره كلما بدأت تتضح معالم التوسع المتوقع، والمصنع الواقع في نهاية الشكل، الأمر الذي قد يجعل استخدام الأساليب التقليدية منطقياً لحد ما.

لذلك وإجابة على سؤال الفقرة، التقييم العكسي يستخدم عندما يكون لدينا تصور عن وضع أو قيمة الشركة في فترة مستقبلية. ولكن بين تلك الفترة ووقت التقييم مساحة من عدم الوضوح أو الإتجاهات التي قد تحيد بالمشروع عن بلوغ تلك النقطة. التقييم العكسي يتم على مرحلتين: تقدير قيمة الشركة وقت النضوج باستخدام التسعير أو أحد الأساليب التقليدية (تحدثنا عنها في مقال: تقييم الشركات الناشئة: مدخل)، تخفيض القيمة لقيمة وقت التقييم بإستخدام العائد المتوقع للمستثمرين والذي تحدثنا عنه سابقاً في مقال (فهم المستثمر) – شكل 3.

شكل 3: العوائد المطلوبة للمستثمرين

مثال: جهاز تقني

محمد، فهد وأحمد زملاء في مركز أبحاث في جامعة، تمكنوا من بناء نموذج نهائي لجهاز تقني فريد من نوعه وحصلوا على براءة اختراع له. بعد أن قاموا بتجربة الإنتاج المنتج على شريحة جيدة من العملاء، ويرغبون بجمع مال لتغطية تكاليف الانتاج والتسويق على مستوى أكبر. أعدوا دراسة مالية قدرت قيمة الشركة عند نضوجها ب 35 مليون ريال. تفاصيل الجولة الحالية:

  • تصنيف الجولة: ب.
  • المبلغ المطلوب: 4 مليون ريال، والذي يفترض أن يغطي الشركة لحين بلوغها مرحلة النضوج.
  • الفترة اللازمة لبلوغ مرحلة النضوج: ثلاث سنوات.

كم تبلغ قيمة الشركة قبل الجولة؟

  • بناءاً على الشكل 3، فإن المستثمر في المرحلة ب والذي يتوقع أن يبقى على استثماره في الشركة لمدة ثلاث سنوات هي 2.7 ضعف أصل الاستثمار. أي أنه يتوقع أن يكون قيمة حصته وقت بلوغ الشركة مرحلة النضوج (4 مليون ريال × 2.7 = 10.8 مليون).
  • وقتها ستكون ال 10.8 مليون تعادل 31% تقريباً (قيمة الحصة ÷ قيمة الشركة = 10.8 ÷ 35).
  • أي أن قيمة الشركة اليوم بعد الاستثمار تساوي 12.9 مليون ريال (قيمة الاستثمار ÷ حصة المستثمر = 4 ÷ 31%).
  • وبالتالي قيمة الشركة قبل الجولة 8.9 مليون ريال (قيمة الشركة بعد الاستثمار – قيمة الاستثمار = 12.9 – 4).

وبهذا نكون أنهينا سلسلة أساليب التقييم، أتمنى أن تكون قد وفقت بشرحها.

دمتم بخير!

1 أفكار بشأن “أساليب التقييم: التقييم العكسي”

  1. تنبيه Pingback: دليل الإستثمار الجريء في المشاريع الناشئة (مقالات ومصادر عربية) - ماجد الحربي

اترك رد