أساليب التقييم: المفاوضة

نبدأ أساليب التقييم بأسلوب المفاوضة. وهو الأسلوب الأهم، ويستمد أهميته من كونه الأسلوب الأمثل في المراحل الأولى للمشروع، ولأنه أيضاً الذي يتوجب أن تبقيه في ذهنك عند استخدامك للأساليب الأخرى مستقبلاً. فكما أن المستثمرين ينظرون للمشاريع كفرص لتحقيق عوائد، ويحتسبون معدلات العوائد المتوقعة. سيكون هذا الأسلوب لمراقبة حصتك في شركتك وضمان أن دخول أي مستثمر لن يكون على حساب تقليص عمر الشركة عما تخطط له. حصتك التي تبدأ شركتك وأنت تمتلك 100% منها، تتقلص بدخول المستثمرين، هذا التقلص سيستمر طالما أنك تطلب المستثمرين أموالاً إضافية. شبهه بحرق الوقود لتسيير عربتك، هدفك ليس فقط الوصول إلى المحطة النهاية ولكن الإبقاء على نسبة مرضية ومجزيه وقت الوصول. تتناسب مع مجهوداتك وتضحياتك خلال الرحلة.

سيبدأ المقال بشرح مفهوم المفاوضة وأهدافه، ثم كيفية تقييم الفكرة ورفع قيمتها. بعدها تحديد متى ولماذا تتوقف عن إضافة القيمة للفكرة. وأخيراً، الحصص المؤجلة كأسلوب بديل عندما لا يتم الوصول لإتفاق. الشكل التالي يحدد المرحلة الرئيسية التي يتم فيها الإعتماد على المفاوضة بشكل رئيسي. مع ملاحظة أنه وكما ذكرنا، أسلوب المفاوضة سيستمر معك في المراحل اللاحقة كمعيار مراقبة صحة النسب الممنوحة والمتبقية في الشركة.

stages_and_valuation_neg

شكل 1: أسلوب المفاوضة

المفاوضة

لعدم إمكانية تقييم الشركة، يقوم أسلوب المفاوضة على محاولة تسويق نسبة معينة من الشركة وطرحها للإستثمار. هذه النسبة يتم تحديدها بناءاً على دراسة لإحتياجات الشركة المستقبلية للتمويل، لضمان الإبقاء على حصص مجزية للمؤسسين تحفزهم على البقاء في الشركة والمساهمة في بنائها وتحقيق أهدافها. سبق لنا التحدث عن هذا الموضوع (فهم المستثمر) والجدول التالي يوضح ملخص متابعة الجولات الإستثمارية وتأثير إنخفاض القيمة على المؤسسين والشركاء:

rounds_and_dilution_investors

جدول 1: متابعة الجولات الإستثمارية وتأثير إنخفاض القيمة على المؤسسين والشركاء

كمعدل، لا يتوجب أن تتجاوز النسبة الممنوحة للمستثمرين الغير متفرغين في المشروع أكثر من 25% لكل جولة رئيسية. مع مراعاة أنه كلما إنخفضت النسبة الممنوحة في المراحل كلما كان هناك مساحة لتدارك الأخطاء (لو وقعت)، أو تجاوز عقبات غير متوقعة، دون أن يكون ذلك على حساب حصة المؤسسين وقت التخارج. بمعنى لو تم منح 25% في مرحلة قبل البذرة، واكتشف الفريق أن المنتج يحتاج إعادة بناء، فإنهم لن ينتقلون للمرحلة التالية وبالتالي أي جولة جديدة، ستقلل من قدرة الشركة للوصول إلى مراحل أبعد، أو ربما منعت الشركة من عمل جولة أخيرة تضاعف قيمة الشركة. تذكر أن 25% من شركة في مرحلة قبل البذرة ستعطيك 200,000 ريال، ونفس ال 25% في الجولة ج ستعطيك 20,000,000 ريال.

بطبيعة الحال خطتك وتفاصيلها خاصة بك، وليست للعرض على المستثمرين. ستحتاج لتحديد احتياجك المالي والأهداف والإلتزامات المطلوب إنجازها لبلوغ المرحلة التالية. ثم تقرر بناءاً على مفاوضتك وتحدثك مع المستثمر هل ستقبل بكامل المبلغ منه لحظتها، أو ستقوم بإنجاز بعض الأهداف لرفع قيمة الشركة قبل إدخاله. ستجد أن هناك أمور بسيطة وقد تكون غير مكلفة تعد من الإلتزامات الأساسية الواجب تحققها قبل الإنتقال للمرحلة التالية، كتسجيل الشركة، ترتيب سجلات المصاريف، عقود الموظفين، الخطط المالية، خطة تطوير المنتج. أيضاً، يمكنك رفع قيمة الفكرة بإنجازها وتطويرها وهذا ما سنتحدث عنه في الفقرة التالية.

تقييم الفكرة ورفع قيمتها

عند التفاوض لبيع شيء تحتاج إبتداءاً معرفة قيمته. المشروع في أبكر مراحلة مجرد فكرة تدور في ذهن شخص ما. وهنا يأتي السؤال كيف يمكن تقييم هذه الفكرة. والجواب لا يمكن تقييم الفكرة المجردة طالما أنها لم تنفذ. الجدول التالي يلخص ذلك بوضع قيمة للفكرة والتنفيذ:

neg_idea_valuation

جدول 2: تقييم المشروع بناءاً على الفكرة*

* القيم هنا تقديرية وتهدف لتوضيح العلاقة بين الفكرة والتنفيذ. 

تحدثنا في مقال سابق عن القيمة التأسيسية للمشاريع، وحاولنا تقدير قيمة الجهد الذي يوضع في تنفيذ الفكرة (المقال). بتعبير آخر، الجدول السابق يحاول تلخيص مدى قدرة الفريق أو الشركة على تحويل الأفكار إلى واقع. الأفكار مستمرة ومتغيرة، أما قدرة الفريق على التنفيذ والتطوير فهذه ثابته وهي ما تعطي قيمة للشركة، أو تضيف قيمة للفكرة. ما يبحث عنه المستثمر في النهاية الشركة التي تستطيع تحويل الريال المستثمر فيها إلى مائة أو ألف أو مليون ريال، وليس تلك التي تتحدث عن أفكار ومستقبل مبهر دون تنفيذ.

المشاريع التقليدية والمشاريع الإبتكارية

هنا نحتاج لملاحظة أننا سنكون أمام نوعين من المشاريع: المشاريع التقليدية المعتمدة على الإستثمار في الأصول والمعدات، والمشاريع الإبتكارية المعتمدة على العقول والأفكار. المشاريع التقليدية ولكون الإستثمار في الأصول فإن مستوى خطورة المشروع بالإمكان قبولة لوجود الأصول التي بإمكان المستثمر وضع يده عليها في حالة فشل التنفيذ وبيعها في أسوء الأحوال. لذلك قد يكتفي المستثمر  بدراسة الشركات العاملة، وتوضيح الثغرات الموجودة في السوق حسب رؤيتك وفريقك، وكيفية قيامكم بسد تلك الثغرات واختراق السوق. لتطمينه وإثبات معرفتك وفريقك بالسوق والمنتج.

أما المشاريع الإبتكارية ففي حالة الفشل فإن المستثمر قد لا يجد ما يمكنه بيعه أو الإستفادة منه لتعويض خسارته بالتالي فإن مستوى الخطورة أعلى ويصعب تحمله. لذلك قد تجد صعوبة في إقناع مستثمر يقبل بالدخول في الفكرة وهي لا تزال في ذهنك أو على الورق. بالتالي يفضل القيام بعمل منتج أولي  (Minimum Viable Product – MVP) قبل العرض على المستثمر. هذا المنتج الأولي، لا يجب أن يكون منتج كامل، بل منتج يحتوي على ابسط الخصائص المساعدة في اختبار الفكرة وقياس تقبل الناس لها. كما أن نسبة المخاطرة عالية عندما كان المشروع فكرة، فإن تحويله إلى منتج أولي يقلل من المخاطرة، استخدام العملاء يقللها أكثر، تحصيل عوائد مقابل الخدمة يقللها أكثر وهكذا.

لاحظ أنه حتى في حالة تمكنك من الوصول إلى مستثمر في مراحل مبكرة (الفكرة مثلاً) فإن مستوى المخاطرة سيرفع من تكلفة الإستثمار عليك. قد تقنع أحد أصدقائك بالدخول معك بقيمة 50,000 ريال ولكنه قد يطلب 30%، بينما لو أصبح لديك عملاء، قد تستطيع الحصول على ضعف المبلغ مقابل 10% من الشركة. لذلك إسأل نفسك، إذا كان يمكنك البدء بالتنفيذ دون المستثمرين فهذا أفضل. وإذا تمكنت من جلب العملاء والبيع دونهم فهذا أيضاً أفضل. فهذه الإنجازات ترفع من قيمة شركتك وتقلل من تكلفة التمويل عليك.

التوقف عن الإضافة للفكرة وإدخال شركاء

لاحظ أننا زعمنا بأنك تستطيع رفع قيمة المشروع وتطويرها ذاتياً. لو كنت مقتدر مالياً، ويمكنك الإستمرار في التطوير ورفع قيمة الشركة إلى مالا نهاية، لماذا تشرك الأخرين معك؟ والجواب سببين: أولاً، توزيع المخاطر فهما كان مشروعك متميز وفكرتك رائعة إلا أن هناك احتمالية لأن لا تسير الأمور كما تتمنى، وبالتالي سيكون من الأفضل لك عدم وضع كل رهاناتك في سلة واحدة. وثانياً، المستثمرين في الغالب لا تقتصر مساهمتهم على المال فقط، بل يضيفون بعداً آخر للنظر للفكرة والشركة ويفتحون لها الأبواب ويساعدونها على تسريع تحقيق أهدافها. لذلك حتى وإن شعرت بأنه بإمكانك الإستمرار دون إدخال مستثمرين، فكر مرة أخرى بما سيضيفه المستثمرين للشركة وادخلهم قبل أن تكبر الشركة عليهم أو تصبح عوائدها غير مغرية لهم (راجع مقال فهم المستثمر).

 

الحصص المؤجلة

في حالة عدم الوصول إلى تقييم مرضي للطرفين يمكنك استخدام الحصص المؤجلة كـ (SAFE – Simple Agreement for Future Equity أو KISS –  Keep It Simple Security) وهي أدوات تمويليه يتم من خلالها تمويل المشروع مقابل حصص مستقبلية مستحقة بقيمة أقل حسب نسبة يتم الإتفاق عليها. مثلاً، تمويل 100,000 ريال مقابل تخفيض بنسبة 20% من قيمة الجولة القادمة. بالتالي في الجولة القادمة وعند دخول مستثمرين وعمل دراسة للشركة وتقييم لها، يحصل الممول على حصص بسعر أقل من سعر الجولة ب 20%. وهذا تبسيط، فهذه العقود تحتوي على اشتراطات وآليات للتنفيذ وبالتالي وعند حاجتك لإستخدامها انصحك بإستشارة متخصص قانوني لحفظ حقوقك وحقوق شركتك.

نكمل في المقال القادم بإذن الله،،

3 أفكار بشأن “أساليب التقييم: المفاوضة”

  1. تنبيه Pingback: دليل الإستثمار الجريء في المشاريع الناشئة (مقالات ومصادر عربية) - ماجد الحربي

  2. تنبيه Pingback: دليل الإستثمار الجريء في الشركات الناشئة (مقالات ومصادر عربية) – مختارات – ماجد الحربي

اترك رد