تقييم الشركات الناشئة: فهم المستثمر

ركزنا في المقالات السابقة على الشركة الناشئة والمؤسسين، فتحدثنا عن اساليب التقييم التقليدية، وكيف تتم المحاصصة عند تأسيس الشركة الناشئة، ثم انتقلنا لقياس مدى جاهزية الشركة للاستثمار، واخيرا تناولنا موضوع ادارة الاسهم وإصدارها في الجولات الاستثمارية. هذا المقال سيكون الاخير قبل البدء باستكشاف وتجربة اساليب التقييم للشركات الناشئة. المحطة الأخيرة ستكون في محاولة فهم الطرف الأخير من معادلة الإستثمار وهو الممول. العلاقة بين المؤسسين والمستثمرين معقدة بعض الشيء، فهي تبدأ وهم خصوم، وبمجرد أن يتم الاتفاق تتحول إلى شراكة وعمل لتحقيق مصالح مشتركة. والرسالة الأساسية لهذا المقال أن التفاهم والإتفاق من البداية يحقق مصلحة الطرفين. صفقة الاستثمار يتوجب النظر إليها كبداية شراكة وليست بعملية تبادل تجاري يحرص الطرفين على الحصول على فائدة لحظية اكبر ولو كان ذلك على حساب مصلحة الطرف الآخر أو العوائد المستقبلية.

نظرة المستثمر الجرئ للمشروع

تختلف الزاوية التي ينظر المستثمر والمؤسس للمشروع من خلالها. المؤسس بحكم عيشه للحلم بشكل يومي، وطبيعته المتفائله وربما تعلقه العاطفي بالمشروع، يدفع للنظر والتركيز على الجوانب الإيجابيه من مشروعه. أيضاً ولكونه هو مالك المشروع، قد يشعر بالحذر من التفريط وإعطاء حصص تفوق الحاجة. على الجانب الآخر المستثمر، وخصوصاً الجريء، يدرك من الإحصائيات أن نسب فشل المشاريع الناشئة مرتفع جداً. وحتى تلك المشاريع التي تنجح بالوصول إلى خط النهاية، قد لا تكون إنجازاتها متوافقه مع التوقعات. ما قد لا يدركه البعض أن الفرق بين المستثمر الجريء والمقامر شعره، فالأول يدخل في مغامرات محسوبة وبعد تقدير أو إدارك للمخاطر المتعلقه بها، أما المقامر فهو الذي يدخل المغامرة دون إدراك أو احتساب للمخاطر وجدوى دخوله فيها.

investors_vs_startups

شكل 1: مقارنة بين ما يفكر فيه المستثمرين والمؤسسين عند التسعير وتأثيره

يختلف المؤسسين في درجة تفائلهم، وكذلك المستثمرين في درجة تشاؤمهم. الشكل 1 يوضح المنطقتين التي تنطلق منها المفاوضة. دور صاحب المشروع، لكونه البائع في هذه الحاله، أن يحاول استيعاب تحفظات وتخوفات الطرف الآخر أو المشتري (المستثمر). ليجيب عليها أو ربما يقتنع بها. هذه العملية تساعد على إضافة بعض العقلانية على الغير واقعي من أحلام المؤسس. ونتيجة لذلك، يحصل تجاذب بين صاحب المشروع والمستثمر، فكل يرغب بسحب الآخر إلى منطقته. المستثمر إلى منطقة (+) وصاحب المشروع للمنطقة (-). حينها وإن كان الطرفين محظوظين فإنهم سيصلون لمنطقة المنتصف ويحدث الإتفاق. وإن لم يحدث اللقاء، فهذه إشارة أن شهية المستثمر غير مناسبة للمشروع أو للجولة الإستثمارية، أو أن احلام المؤسس غير منطقية، أو أن التواصل لم يتم بالشكل المفترض. لذلك لو حدث عدم الإتفاق، المهم أن يراجع المؤسس نفسه، ويستكشف الأسباب ليتفاداها في مقابلاته القادمة مع المستثمرين الآخرين.

المستثمرين والعوائد

الممولين غير المؤسسين من حيث الدافع للإستثمار ينقسمون إلى قسمين رئيسين: ممولين دوافهم مالية، وآخرون لهم دوافع أخرى كالعاطفة، المصلحة العامة، وغيرها. أصحاب الدوافع المالية هم المنظمات الإستثمارية ومنها رأس المال الجريء والملكية الخاصة. وهؤلاء تواجدهم مهم لدفع عجلة المشروع للأمام ودعم تحول الشركة للإستدامة والإكتفاء الذاتي. المجموعة الأخرى تشمل الأصدقاء والعائلة وهؤلاء غالباً ما يكفيهم رؤيتك تحاول وتنجح، والمستثمرين الملائكيين الذين يجذبهم مجال المشروع ويرغبون بدعمك وأن يعيشوا معك تجربتك لخلق تغيير في المجال، الجهات المانحة قد تكون جهات غير ربحية، خدمة مجتمعية أو منظمات حكومية تسعى لتحريك الإقتصاد الوطني وبناءه. المجموعة الثانية قابليتها للمخاطرة أعلى من المجموعة الأولى وقد لا تنطبق عليها قوانين الإستثمار التقليدية.

في النهاية كلا الفريقين شركاء محتملين، ومن الضروري أن تعرف أهداف شريكك لتعرف ما إذا كنت قادراً على تحقيق طموحاته. المؤسسات الإستثمارية، خصوصاً في المراحل المبكرة تعلم بأن نسبة فشل المشاريع الناشئة عال جداً. ولذلك ولمعادلة المخاطرة وزيادة فرص تحقيق العوائد الجيدة، تقوم بتوزيع الإستثمارات على عدد كبير من المشاريع. ثم دعمها ومساعدة أصحابها، وباستمرار متابعة أداء الشركات. الشركات التي تبدأ بإعطاء مؤشر بأنها تسير بالطريق الصحيح من ناحية النمو وفرص التخارج الجيدة، يتم إعطاءها أولوية في الدعم، وربما تم إعادة الإستثمار فيها مرة أخرى. أما الشركات ذات الأداء المقبول أو الضعيف فإنه يتم محاولة إنقاذها، ولكنها ستكون أولوية ثانية.

ما يتوقعه المستثمر من عوائد

دعم المسثتمرين يفتح أبواب للشركة ويساعدها على تأمين الجولات الإستثمارية التالية. الجدول التالي يوضح معدلات العائد المتوقع على الإستثمار في المراحل المختلفة. سيساعدك في تحديد متى تبدأ بطلب التمويل، وأيضاً في رسم خطة التمويل المستقبلية لشركتك. وهو مقتبس من دورة تعريفية بالإستثمار أقامتها جامعة الأمير محمد بن سلمان للإدارة وريادة الأعمال، يمكن الرجوع لمصدر الدراسة في كتاب (الماجستير المصغر في ريادة الأعمال – انجليزي).

Req-IRR

جدول1: العائد المتوقع على الإستثمار في المراحل المختلفة

يلاحظ في الجدول معدلات النسب التي يتوقعها المستثمر في مراحل الإستثمار الخمس. وهي تبدأ من 80% لمرحلة قبل البذرة، وذلك لكونها الأخطر. وصولاً إلى مرحلة الجولة ج وفيها النسبة المطلوبة حوالي 30%. النسبة مركبة، أي أنها تحسب حسب المعادلة التالية: ([1 + العوائد المطلوبة في المرحلة]^عدد السنوات). والنتيجة تكون الرقم المضاعف للمبلغ المستثمر.


استثمر خالد مبلغ 1,000,000 ريال في شركة توصيل، كانت الجولة أ ومن المتوقع أن يتم التخارج بعد خمس سنوات. كم هو العائد الذي يتوقعه خالد من هذا الإستثمار؟


من الجدول 1، نلاحظ أن المضاعف الخاص بالجولة أ في حالة الإستثمار لمدة 5 سنوات هو 7.6، ولذلك فإن المبلغ الذي يتوقع خالد الحصول عليه وقت التخارج هو 7,600,000 ريال.

من المثال السابق، يمكننا البدء بوضع تصور مبدأي عن التقييم والنسبة المرضية لخالد. فلو كان المتوقع أن يكون تقييم الشركة وقت التخارج 20,000,000 ريال، بشرط أن لا تكون هناك جولات استثمارية تاليه للجولة التي شارك فيها خالد. وقت التخارج يجب أن تكون نسبة ملكيته 38%. وهذه تم حسابها بتقسيم مبلغ التخارج على قيمة الشركة وقت التخارج (7,600,000 ÷ 20,000,000). وهذا في الواقع تبسيط لأحد أساليب التسعير التي سنتحدث عنها لاحقاً. صاحب المشروع حينها سيقرر هل 38% مناسبة، هل مبلغ 1,000,000 كثيرة؟ هل يمكن التخارج قبل 5 سنوات؟ هل يمكن تحقيق تخارج بقيمة أفضل؟ هل سيقبل المستثمر بمضاعف أقل لو حل بعض المشاكل الموجودة لديه؟..

أي المشاريع أنت؟

قبل طرح المشروع على المستثمرين ومحاولة إقناعهم، يمكنك مستخدما ما سبق حاسبياً توقع الإجابة التي ستسمعها. فمثلاً لو كان مشروعك:

  • للتو أعددت نموذجك الأولي (مرحلة البذرة)،
  • تحتاج إلى 1,500,000 ريال للإستثمار،
  • 4 سنوات حتى تصل به لمرحلة النضوج،
  • وكان تقييم المشاريع المماثلة لمشروعك في الحجم ودرجة النضوج المتوقع وقت التخارج يتراوح بين 10 و 12 مليون ريال.

فإنك بإستخدام المضاعف (6.6×) يمكنك توقع أن المستثمر سيطلب منك بين 99% و 83%، وهي نسبة عالية وستفقد معها السيطرة على الشركة من اليوم الأول. إذا كان ذلك لا يناسبك، قد تحتاج لإعادة النظر سواء بإعادة توزيع التمويل على مراحل إضافية، أو محاولة التجاوز للمرحلة التالية، أو بتغيير الفكرة.

التخطيط للجولات الإستثمارية المستقبلية

مثال خالد مبسط، والحياة أكثر تعقيداً من مستثمر واحد وجولة إستثمارية وحيدة. وعلى الرغم من أنك قد تشعر بأن الوقت لا يزال مبكراً على وضع الخطط بعيدة المدى. إلا أن التخطيط للجولات الإستثمارية ولو بشكل تقريبي وتقديري، ضرورة. أنت مؤمن بأنك قادر على تحويل مشروعك من فكرة بسيطة، قد لا يؤمن بها البعض اليوم إلى شيء كبير ومنافس في المستقبل القريب. في هذه الرحلة وقودك الحصص التي تمنحها للمستثمرين، وفي نهاية المشوار لا تريد أن تكتشف أنك قد استنفذت كل الحصص، ولم يبقى معك إلا القليل الذي لا يستحق تضحياتك وتعبك. بالإضافة للحصص، ستحتاج بالتفكير بالإحتياج المالي ومدى قدرتك تحقيق إنجازات تساعدك على رفع سعر الحصص التي ترغب ببيعها للمستثمرين. وبعد إقفال كل جولة استثمارية، تحتاج أن ترجع للخطة وتحدثها، ثم تحدد التسعير المستهدف للجولة التالية وما يجب عليك إنجازه للوصول إليه.

تأثير عدد الجولات والحصص الممنوحة على الشركاء

في المقال السابق، تحدثنا عن إدارة الحصص ولاحظنا كيف أنه عند إصدار حصص جديدة في الشركة تنخفض حصة الشركاء السابقين أو يحدث لهم (dilution). أنت كونك المؤسس أيضاً ستتأثر. الجدول التالي يلخص تأثير عدد الجولات والنسب الممنوحة في كل جولة على الحصة المتبقية لك.

rounds_and_dilution

جدول 2: تأثير عدد الجولات الإسثتمارية والنسبة الممنوحة للمستثمرين على حصة المؤسسين

لو إفترضنا أن الشركة ستقوم بخمس جولات، وقامت بمنح 25% في كل جولة من الجولات الخمس فإنك ستجد حصتك وقت التخارج وقد أصبحت 23.7%. ولو اضطررت لزيادة جولة أخرى ستصبح النسبة 17.8%. عادة ما يفضل أن تتراوح النسبة الممنوحة لكل جولة بين 20 و 30%، وعدد الجولات الرئيسية بين 4 إلى 5 جولات. مع محاولة المحافظة على النسبة، بمحاولة الإنجاز دون طلب التمويل أو التمويل من خلال الشركاء، في المرحلتين الأولى والثانية.

ولأن الحياة معقدة، فإنه نادراً ما يتم منح النسب بشكل متساوي خلال كل الجولات. وعليه سيلزمك إعداد دراسة مبسطة كتلك في جدول 3.

rounds_and_dilution_investors

جدول 3: متابعة الجولات الإستثمارية وتأثير إنخفاض القيمة على المؤسسين والشركاء

في الجدول 3 تم إعداد دراسة مبسطة للجولات الإستثمارية الرئيسية ومتابعة تأثير انخفاض القيمة على المؤسسين والمستثمرين. تذكر دائماً المستهدف من جدول 1، وحاول قدر المستطاع أن ترفع قيمة الشركة مع كل مرحلة جديدة، للمحافظة على نسبتك ونسب بقية الشركاء. فكلما زادت قيمة الشركة وقل المبلغ المستثمر في الجولة التالية، كلما كان تأثير انخفاض الحصة أقل على الشركاء.

في الجدول السابق، تم تحديد التسعير التقديري للشركة من خلال قسمة مبلغ الإستثمار على النسبة الممنوحة (في جولة قبل البذرة: 75,000 ريال ÷ 5% = 1,500,000 ريال). والتسعير التقديري قبل الإستثمار هو حاصل طرح مبلغ الإستثمار من التسعير بعد الإستثمار (في جولة قبل البذرة: 1,500,000 – 75,000 = 1,425,000). طريقة احتساب تأثير انخفاض القيمة سبق لنا الحديث عنه في مقال تقييم الشركات الناشئة: إدارة الحصص وأسهم الشركة، ويمكن الرجوع له.


على افتراض أنه تم الإستحواذ على الشركة بقيمة 25,000,000 ريال بعد مرور سنة على الجولة ج احسب العائد على الإستثمار لكافة المستثمرين. مع افتراض أن فترة الإستثمار كانت 7 سنوات للأول، الثاني 5 سنوات، الثالث 3، الرابع سنتين والخامس سنة واحدة. وهل كان العائد مجزياً حسب الجدول 1 في هذا المقال؟


الجدول التالي يلخص الحل. وفيه تم استخدام نسب المستثمرين حسب جدول متابعة الحصص (جدول 3) لإحتساب نصيب كل مستثمر من قيمة التخارج. بعدها تحديد عوائد المستثمرين، تم قسمة إجمالي العائد على مبلغ الإستثمار الأساسي للوصول إلى المضاعف الخاص بكل مستثمر. لاحظ المستثمر الأول حقق 337,500 ريال وبقسمتها على 75,000 ريال أصبح مضاعفه 4.5. أما المستثمر الخامس فحقق 10,000,000 ريال وعند قسمتها على 6,000,000 ريال يكون مضاعفه 1.67.

rounds_and_dilution_cal

جدول 4: احتساب العوائد ومضاعف الإستثمار للمستثمرين

ولتحديد ما إذا كان الإستثمار مجزياً للشركاء، فيمكننا الرجوع للجدول 1 وبالمقارنة نجد التالي:

  • المستثمر الأول: 7 سنوات، المضاعف المطلوب 61.2× والمتحقق 4.5×.
  • المستثمر الثاني: 5 سنوات، المضاعف المطلوب 10.5× والمتحقق 4.22×.
  • المستثمر الثالث: 3 سنوات، المضاعف المطلوب 3.4× والمتحقق 1.88×.
  • المستثمر الرابع: سنتين، المضاعف المطلوب 2× والمتحقق 1.88×.
  • المستثمر الخامس: سنة، المضاعف المطلوب 1.3× والمتحقق 1.67×.

ويمكن استنتاج أن المستثمر الخامس هو الوحيد الذي حقق المستهدف، والرابع فكان قريب من التحقيق. أما البقية فلم يحققوا أهدافهم. بالنسبة للمؤسسين، فإن نصيبهم من العملية هذه 25.7% أو 6,425,000 ريال.

1 أفكار بشأن “تقييم الشركات الناشئة: فهم المستثمر”

اترك رد