تقييم الشركات الناشئة: جاهزية مشروعك للإستثمار

اطلاق المشروع

توقفنا في المقال السابق عند التقييم التأسيسي للمشروع. حيث تتبعنا خطوة بخطوة عملية المحاصصة بين الشركاء الذين كان أحدهم يعمل على المشروع بشكل كلي، والأخر بشكل جزئي والثالث ساهم برأس المال. ووصلنا في نهاية المقال أن الشركاء، في مثالنا محمد، عبدالله وفهد كانت حصصهم 42%، 38% و 20% وبلغت قيمة الشركة 310,000 ريال. بطبيعة الحال، ولأن بيع الحصص أو إصدار الأسهم مرتبط بالعرض والطلب، لن يستخدم الشركاء بالضرورة التقييم (310,000 ريال). إن اردت التفكير بها بطريقة أخرى، فإنك حين تقرر بيع سيارتك بعد استخدامك لها لسنتين لن تقوم ببيعها حسب تقييمك، ولكن حسب العرض والطلب في سوق السيارات. البائع يرغب بالبيع بأعلى سعر ممكن، والمشتري يرغب بالشراء بأقل سعر ممكن. ولكن كن حذراً، فهذا المبدأ نستخدمه كثيراً في الأسواق، ولكن يفضل تجنب استخدامه في الأعمال. في عالم الأعمال، مايهمك هو التفكير بالشراكات بعيدة الأمد، وليس الصفقات السريعة. خصوصاً وأنه في الشراكات، لا بد وأن تتكشف الأوراق ويتضح ما إذا كان التسعير المستخدم أعلى أو أقل مما يجب، وحينها قد تهدد هذه الإشكالية استمرارية الشراكة. في هذا المقال سنسلط الضوء أساليب التمويل والمستثمرين وكيفية تفكيرهم حيال الإستثمارات، الأمر الذي سيساعدك في التفكير فيهم أثناء تقييمك لشركتك للوصول إلى التقييم العادل المرضي لك ولهم.

أنواع الشركات وأساليب التمويل

يمكن تقسيم الشركات الناشئة إلى نوعين رئيسيين: شركات تقليدية، وشركات إبتكارية. الشركات التقليدية لها نظائر كثيرة في السوق، وبالتالي من خلال دراسة ماتفعله تلك النظائر بالإمكان تخفيض نسبة الخطورة. على الجانب الآخر الشركات الإبتكارية تؤسس على فرضيات وتوقعات، و لا يمكن إثبات صحة تلك الإفتراضات إلا بالتنفيذ والتجربة وهذا غير ممكن إلا باستثمار الوقت والجهد والمال. طبعاً هذا التصنيف لا يعني بالضرورة أن الشركة يجب أن تصنف إما تقليدية أو إبتكارية، فكلما حصل تطوير في مجال تقليدي سحب الشركات التقليدية لتكون أقرب إلى النطاق الإبتكاري، وكذلك كلما أسست شركات إبتكارية في مجال وتم الإختبار والتجربة فإن الشركة الإبتكارية تقرب من النطاق التقليدي. على سبيل المثال، قبل 15 سنة كان أي سوق إلكتروني يعد مشروعاً إبتكارياً، فالسوق كان غير واضح والعملاء غير محددين وآليات التسويق وجذب العملاء لم تختبر ولم يتم الكتابة حولها بتوسع. اليوم أصبحت الأسواق الإلكترونية أقرب للمشاريع التقليدية، حيث يمكنك عمل دراسة للسوق ورسم تصور للمبيعات وتحديد التحديات وربما كيفية التغلب عليها. والتغيير سنة الحياة!

أسلوب التمويل الأنسب يرتبط بشكل رئيسي بمستوى خطورتها والعوائد المتوقعة. ذكرنا سابقاً أن الشركات التقليدية هي الأقل مخاطرة، وكلما تحركنا بإتجاه الشركات الإبتكارية كلما زاد مستوى المخاطر المتعلقة بالمشروع. العوائد المفترض أنها تكون مرتبطة مستوى الخطورة فكلما زادت الخطورة كلما ارتفعت العوائد. كل مستوى من المخاطرة يرتبط بأداة مختلفة من التمويل، وهذا استعراض لأكثرها شيوعاً:

  • القروض تكلفتها الأقل فهي تتطلب سداد فوائد (رسوم أو مرابحة) لحين تسديد القرض، وعندها تنتهي علاقتك بالمقرض ويعود المشروع بالكامل لك. إشكاليتها في أنها لا تتحمل الخسائر معك ولا تصبر عليك لحين تحسن أوضاع شركتك. لذلك هذه الأداة غير مناسبة عندما تكون رؤية الشركة غير واضحة أو مستويات المخاطرة عالية. ويدخل أيضاً في احتساب المخاطرة أيضاُ حجم المبلغ المستثمر وقدرة المقترض على السداد.
  • الملكية الخاصة، تكلفتها أعلى من القروض لكونها تدخل في ملكية الشركة والعلاقة ومشاركة العوائد تستمر لحين التخارج. الملكية الخاصة تدخل في المشاريع التي وصلت لمرحلة من النضوج تؤهلها لإستقراء المستقبل بشكل أفضل، ولكن لا يزال بها عوامل مخاطرة تجعل من الإعتماد على القروض فقط مسألة خطرة وقد لا تقبل بها البنوك. عادة ما يكون دخول الملكية الخاصة للدعم المالي وكذلك الدعم الإداري، كالمساعدة في تنمية المشروع أو إعادة هيكلته أو توفير كوارد إدارية خاصة.
  • رأس المال الجرئ، وهو نوع خاص من الملكية الخاصة. يقبل بالدخول في المشاريع التي لم تصل بعد لمرحلة النضوج ولكن تمتلك بعض المقومات اللازمة للنجاح. يمكنك القول بأنها أشبه بالمراهنة مدروسة على الشركات. على عكس الملكية الخاصة، والتي تستهدف عدد محدود من المشاريع للإستثمار، رأس المال الجرئ يستهدف عدد أكبر من الشركات. ونتيجة لذلك يكون الدعم الإداري أقل، ومحدود بالتوجيه والمساندة. وهو بطبيعة الحال الأعلى تكلفة بين الثلاثة.
  • المشاريع التي يكون مستوى مخاطرتها أعلى قد تتوفر لها مصادر تمويل أخرى، كالمستثمرين الملائكيين، وهم افراد متخصصين في مجال ويرغبون في الإستثمار في الشركات الناشئة. الملائكي الجيد سيساعدك على بناء مشروعك ولن يكون متطلباً جداً من ناحية العوائد فهو يهتم بالتجربة وأن يعيشها معك أكثر من العائد المادي. وهناك جهات أخرى أيضاً كمنح الجهات الحكومية أو غير الحكومية، مسرعات الأعمال، وصناديق خدمة المجتمع.

الجاهزية للإستثمار وإختيار آلية التمويل

جاهزية الشركة للإستثمار ترتبط بشكل رئيسي على قدرة طالب التمويل على اقناع الممول على تناسب مستوى المخاطرة المرتبطة بالمشروع بشهية الممول. للمقرض مثلاً، شهيته للمخاطرة محدودة ولذلك يحتاج لأن يرى التدفقات النقدية وإتجاهات السوق وحجم الأصول المتوفرة لديك وخططك المستقبلية وقدرتك على تحقيق تلك الخطط. بالتالي لا يمكن إعتبار المقرض ممول للمشروع في مرحلة التأسيس، ففعلياً هو إما أن يقرضك شخصياً، أو ينتظر لحين تملك المشروع لأصول بإمكان المقرض استخدامها كضمانات.

على الجانب الآخر الملكية الخاصة ورأس المال الجرئ سيحاولون تقدير حجم خطورة الفكرة وتقدير نسبة النجاح والفشل. الملكية الخاصة سيركز على أداء الشركة في الماضي، ومدى قدرته على مضاعفة حجم الشركة من خلال ضخ النقد والدعم الإداري. أما رأس الملكية سيدرس الفكرة والفريق ليتأكد من قدرة الفريق على توظيف ما سيوفره من نقد على تحويل الفكرة إلى واقع. وكلاهما سيبحث أيضاً حجم العائد المتوقع من نجاح الشركة، وتناسبه مع خطط الإستثمار الخاصة بهم.

لذلك سيكون من المهم في البداية معرفة نوع مشروعك، لتحديد مستوى العوائد المتوقعة منه وتحديد نوع التمويل المناسب، والتأكد من توفره في السوق الذي تعمل به.

دورة حياة المشروع

المشاريع تمر بمراحل بدءاً من كونها فكرة ولحين توسع الفكرة وقابليتها للتخارج. المخاطرة المرتبطة بالمشروع تكون أعلى في البدايات وتقل كلما تقدم المشروع وبدأت تتضح معالمه. أيضاً من المهم هنا ملاحظة أن مستوى الخطورة والعوائد مختلفة في المشاريع الإبتكارية عن المشاريع التقليدية.

١. المشاريع التقليدية:

SME-stages

شكل: دورة حياة المشروع التقليدي

المراحل العامة للمشاريع التقليدية تبدأ من الفكرة، دراسة السوق، دراسة الجدوى ثم التأسيس وبعدها التوسع. في حالات كثيرة، يتوقف الكثير عن البحث عن مستثمرين عند الوصول إلى مرحلة التأسيس. يلاحظ أن دخول الشريك المؤسس يأتي مرحلتي دراسة السوق والجدوى، وهذا لأنه ينظم إلى المشروع لتغطية جوانب قد لا يستطيع المؤسس الوحيد عليها. في المراحل الأولية لا ينجذ المستثمرين في الغالب للمشروع كونه غير واضح أولاً، وثانياً، لكثرة المتنافسين في هذه المرحلة. فإعداد الدراسات والتوقعات عملية صعبة، ولكنها ممكنة مما يصعب عملية الفرز وتقييم الجهة الأقدر والأكفء.

كلما طالت المدة بعد التأسيس كلما توفر لديك معلومات وإثباتات أكثر على قدرتك على الإنجاز وتحقيق الوعود والتوقعات التي رسمتها على الورق. ومعها أيضاً تزداد قوتك التفاوضية على الحصول على التمويل بتكلفة أقل.

٢. المشاريع الإبتكارية:

startups-stages

شكل: دورة حياة المشروع الإبتكاري

المشاريع الإبتكارية تختلف، فهي تبدأ من الفكرة ثم ولقلة النظائر أو التجارب على الأرض، تحتاج لتنفيذ منتج أولي يتم استخدامه كأداة للإختبار، بعدها يتم تجربة والتصحيح والتحسين، لحين الوصول للمنتج الملائم للسوق، وحينها يمكن التوسع. ولأن لأحد غيرك مؤمن أو قادر على فهم فكرتك، تكثر الشكوك حولها في البداية، وما يفصل ويثبت صحة إفكارك هو المنتج الأولي وإختباره. وفي هذه المرحلة تكون نسبة المخاطرة عالية جداً، فلا يمكن تمويلها إلا من خلال شريك يؤمن هو الآخر بالفكرة، أو مستثمر ملائكي يقبل بدخول المخاطرة معكم. وهذا لحين الوصول إلى ملاءمة السوق وحينها يكون مستوى الخطورة معقول ومقبول للصناديق الإستثمارية للدخول وضخ الأموال معك.

وتنقسم مراحل الإستثمار الإبتكاري إلى مراحل تعرف بالجولات الإستثمارية، والقائمة التالية توضح تلك المراحل وخصائص كل مرحلة:

  • مرحلة ما قبل البذرة (Pre-seed): تمتد من الفكرة ولحين بناء المنتج الأولي. وهذه المرحلة في الغالب ما يتم تمويلها من خلال المؤسسين، الأصدقاء والعائلة، الجهات المانحة والمستثمرين الملائكيين. تهدف هذه المرحلة على مساعدة دعم صاحب المشروع لتحويل فكرته إلى واقع ملموس، أو برنامج قابل للتجربة والإختبار.
  • مرحلة البذرة (Seed): تأتي بعد تجهيز المنتج الأولي، وتهدف دعم اختبار المنتج الأولي وتحسينه. وذلك من خلال بناء المنتج النهائي، أو دراسة السوق، أو فهم الشريحة التي يستهدفها المنتج، أو بناء الفريق (غير المؤسسين). ممولي هذه المرحلة في الغالب هم المستثمرين الملائكيين ورؤوس المال الجرئ.
  • مرحلة الجولة أ – التأسيس (Series A): بعد الوصول للمنتج النهائي، تهدف هذه المرحلة إلى اختبار توسع المنتج وتجربته على شرائح جديدة، ترتيب الشركة وتنظيم وهيكلة عملياتها. هذه المرحلة يتم تمويلها في الغالب من قبل رؤوس المال الجرئ.
  • مرحلة الجولة ب – البناء (Series B): بوصول الشركة لهذه المرحلة فإنه يمكن القول بأنها بدأت التحول من شركة ناشئة إلى شركة ناضجة. تستهدف هذه المرحلة توسيع العمليات على مستوى إقليمي أو عالمي، بناء الفريق، والإستحواذات على شركات أخرى. ويشترك في تمويل هذه المرحلة رؤوس الأموال الجرئية والملكية الخاصة.
  • مرحلة الجولة ج – النمو وما بعدها (Series C and beyond): الشركات التي تصل لهذه المرحلة، أثبتت أنها ناضجة. أهداف هذه المرحلة تجهيز الشركة للتحول إلى شركة ناضجة محكمة وقابلة للطرح العام أو توزيع أرباح. الأعمال التي تتم في هذه المراحل هي تكرار لما تم في الجولة ب، ولكن على مستوى أكبر وأوسع. تمول هذه المرحلة رؤس المال الجرئ والملكية الخاصة، وكلما تقدمت الشركة كلما زاد إهتمام الملكية الخاصة بها.

سنواصل الحديث في المقال القادم بإذن الله تعالى عن تقييم الشركات الناشئة.

هل تختلف معي في بعض الأفكار أو لديك إضافة؟ يمكنك إضافتها للتعليقات.

8 أفكار بشأن “تقييم الشركات الناشئة: جاهزية مشروعك للإستثمار”

  1. مقال جميل جدا خاصة لمسة الابداع في تطرقك الى مفهوم رأس المال الجريء ومراحل الإستثمار الإبتكاري….نتمنى أن تكتب لنا حول آليات خروج رأس المال الجريء من الاستثمارات…. ننتظر مقالاتك بشغف كبير….مقالات قيمة تعبر عن قامة علمية

  2. مقال رائع حداً … اقترح لو ترجمت أفكارك إلى نماذج عمل .. لتكتمل الصورة بكل وضوح.
    مثال: نموذج تقييم الشركات الناشئة.

    1. شكراً على لطفك وتعليقك. ممكن توضح أكثر مقصدك من نماذج عمل، هل المقصود إرفاق ملف اكسل لتعبئة البيانات؟ أو تقصد شي مثل خريطة ذهنية أو انفوجرافيك؟ أو شيء آخر؟ آمل التوضيح عزيزي وشكراً لك

  3. تنبيه Pingback: ١٤ شيئًا يبحث عنها المستثمر في المشروع الريادي - ريادة الأعمال وبدء الشركة الناشئة

  4. يارجل يارجل ماشاء الله عليك الله يحفظك والله المقالات هذي تشترى بالمال الكثير الله يرحم والديك اخوك مبارك الشهراني

  5. بداية اشكرك على المقال جدا جميل ،،
    وحاب اعرف هل تفضل للمشاريع التقليدية اثناء التوسع الحصول على قرض ويليت يادكتور توضح اليه دخول المستثمرين في مشاريع فقط دون الدخول في الشركة لاننا تواجهنا مشكلة مشروع نستطيع تنفيذة لكن لانستطيع تمويله مقدما فنظطر اما القرض او عدم الدخول للمشروع

اترك رد