تقييم الشركات الناشئة: القيمة التأسيسية

استعرضنا في المقال السابق أساليب التقييم التقليدية، وبينا الإشكاليات التي تواجهها تلك الأساليب عند استخدامها لتقييم المشروع الناشئ خصوصاً المشاريع الإبتكارية. سنبدأ في هذا المقال رحلة لإستكشاف الأساليب البديلة والممكن توظيفها لحل إشكالية التقييم والمحاصصة في الشركات الناشئة. البداية ستكون من تأسيس المشروع،  والمحاصصة بين الشركاء حتى دخول المستثمرين.

القيمة التأسيسية

يتوجب الإشارة أن المحاصصة المذكورة أدناه هي محاصصة مقترحة، والأصل يرجع للمفاوضة وإقتناع الشركاء. للوصول إلى المحاصصة يقترح دراسة ثلاثة نقاط:

  1. التدفق والمساهمة النقدية.
  2. المساهمة الفكرية والجهد العملي.
  3. معامل الفرص الضائعة أو الخطورة على الأفراد.

التدفق والمساهمة النقدية:

التدفق والمساهمة المالية هي الأسهل في التتبع والملاحظة كونها محسوسة، ما يجب تذكره هنا تسجيل ومتابعة الحركات المالية. والأهم فصل المصاريف الشخصية عن مصاريف الشركة.


محمد، عبدالله، وفهد زملاء من الجامعة، اجتمع الثلاثة حول فكرة لبناء نظام إلكتروني يقدم خدمة ما. محمد مبرمج، عبدالله مطور أعمال ومسوق، وفهد ممول ولديه علاقات جيدة.

  • محمد صاحب الفكرة الأولية سيعمل على المشروع بدوام كامل مع راتب (3,000 ريال) أقل من سعر السوق ب 50%.
  • عبدالله سيعمل على تطوير الفكرة وسيساهم في المشروع بشكل جزئي كونه يعمل في شركة أخرى وسيضخ جزء من راتبه (2,000 ريال/شهرياً) في المشروع. عمله الجزئي في الشركة قدره الشركاء بأنه يستحق عليه 1,500 ريال شهرياً تبدأ بعد الستة أشهر الأولى، ولكن عبدالله قرر أنه لن يأخذها. 
  • أما فهد سيضخ (50,000 ريال) المبلغ التأسيسي في المشروع وستكون علاقته بالمشروع محدودة في السنة الأولى وسيساهم بشكل رئيسي بعد الإطلاق.

مع افتراض أن العمل على المشروع سيحتاج لسنة للإطلاق، ثم ستة أشهر للبيع. كيف يتم إيجاد القيمة التأسيسية للمشروع وعلى أي أساس تتم المحاصصة؟


في مثالنا أعلاه ساهم الشركاء الثلاثة مالياً:

  1. فهد قام بضخ مبلغ 50,000 ريال في الشركة.
  2. محمد ساهم بتقليل تكلفة راتبه على الشركة بقيمة 3,000 ريال شهرياً أي 36,000 ريال للسنة.
  3. عبدالله له مساهمتين نقدية مباشرة 2,000 ريال شهرياً أي 24,000 على السنة. وكذلك عمله الجزئي في الشركة لمدة ستة أشهر والذي لن يقبض عليه راتب وقيمته 1,500 ريال لمدة ستة أشهر بالتالي تكون مساهمته الإضافية 9,000 ريال. والإجمالي يكون 33,000 ريال.

إجمالي المساهمات المالية في الشركة حسب المعطيات أعلاه كانت (50,000 + 36,000 + 33,000) بالتالي مالياً يكون رأس مال الشركة 119,000 ريال، وحصص الشركاء 42% لفهد، 30% لمحمد و 28% لعبدالله.

ولتفادي الإشكاليات المتعلقة بخروج الشركاء أو عدم إلتزامهم بمساهماتهم، فإنه يفضل عمل جدول استحقاق للحصص. تبدأ في اليوم الأول بدخول مبلغ التأسيس في الشركة (50,000) ووقتها تكون الملكية النقدية 100% لفهد، ثم بنهاية الشهر الأول تصبح 50,000 من فهد، و 3,000 من محمد و 2,000 من عبدالله. والشهر التالي تزيد حصصهم حسب جدول المساهمات.

Partners_Cash_Cont


بعد السنة الأولى تمكن محمد، فهد وعبدالله من إطلاق المشروع. اجتمع الفريق لوضع خطة الستة أشهر القادمة والتي ستكون مصيرية لأهمية تحقيق مبيعات خلالها:

  • محمد يستمر بالعمل على تطوير البرنامج مقابل ذات الراتب (3,000 ريال) والذي يمثل 50% من سعر السوق.
  • عبدالله سيستقيل من عمله وسيعمل بشكل كلي على المشروع وسيأخذ راتب (3,000 ريال) وهو أقل من سعر السوق ب 50%.
  • فهد سيساهم بشكل غير مباشر وحسب الطلب مع احتفاظه بمركزه كمستشار مالي وإداري للمشروع.

لنكمل جدول المساهمة النقدية.

Partners_Cash_Cont2

لاحظ أن مساهمة فهد متوقفه وبالتالي حصته تتآكل، ومساهمة محمد تزداد بقيمة 3,000، أما عبدالله فقد توقف عن دفع مساهمته النقدية من راتب عمله السابق، واصبحت مساهمته محدودة ب 3,000 ريال فرق راتبه.

المساهمة الفكرية والجهد العملي:

بعد إحتساب المساهمة المالية نأتي للمساهمة الفكرية. وهنا قد يمكننا وضع تقدير نسبي لقيمة المشروع الفكرية بعد إنجازة. مع الأخذ بالإعتبار مدى صعوبة تقليد المشروع. أسهل المشاريع للتقليد هي المشاريع التقليدية والتي قد تتطلب موقع وأصول وعمالة، ثم تزداد صعوبة التقليد مثلاً بالمشاريع المعتمدة على عقود لإعادة البيع، ثم المشاريع المبنيه على برامج مفتوحة المصدر، وهكذا حتى تصل للمشاريع التي يكون عليها براءة اختراع تمنع الغير من تقليدها.

ما تريد قياسه هنا الفرق بين القيمة النقدية لمساهمة الشركاء (155,000 ريال) في نهاية الشهر 18 في في مثالنا السابق، والقيمة العادلة لتنفيذ مشروع مشابه. وتذكر أن القصد هنا قياس المساهمة الفكرية للشركاء وليس تسعير المشروع لبيعه. بمعنى أن الريال بعد التنفيذ والجهد الموضوع في المشروع أصبح يعادل 1.5 ريال أو 2 ريال.

قيمة المساهمة الفكرية تحسب عند نهاية التنفيذ وقياس تقبل السوق للمنتج وليس قبلها. والحديث هنا عن المساهمة بالتنفيذ وليس الفكرة النظرية المجردة، فهذه لا قيمة لها. بمعنى آخر، المقصود أهمية مساهمة الشخص في تطوير الفكرة وتحويلها إلى واقع ذو قيمة تنافسية عالية، يقبل العملاء بالدفع مقابله. هناك عدة أمور يتوجب التفكير بها، ولعلي أذكر بعضها هنا للإسترشاد:

  • دراسة والتحقق من السوق. وذلك بتحليل العملاء، عمل النماذج الأولية، مقابلة العملاء، اختبار الفرضيات، تحديد التحديات، وتحديد الشريحة المستهدفة.
  • عملية البيع الأولية، ووضع آلية وخطوات البيع والتسويق.
  • المفاوضة والحصول على اتفاقيات مع الشركاء والموردين.
  • فتح الأبواب وتأسيس علاقات مع خبراء والمؤثرين في السوق.
  • عمل نماذج الدراسات المالية وتوقعات المبيعات والمصاريف وكذلك تنسيق الجولات الإستثمارية.

إتفق الشركاء في البداية على تقدير مضاعف تنفيذ المشروع وإطلاقه بأنه 2× أي أن المشروع بعد الإطلاق ستصبح قيمته 310,000 ريال. وتوزيع الحصص الإضافية سيكون حسب التالي:

  • 40% دراسة السوق وتجهيز المنتج الأولي: 30% محمد و 10% عبدالله.
  • 20% عملية البيع الأولى وتجهيز آلية البيع والتسويق: 10% محمد و 10% عبدالله.
  • 15% مفاوضة إتفاقيات الموردين والشركاء: عبدالله.
  • 10% فتح الأبواب وتأسيس علاقات مع الخبراء: 3% محمد، 3% عبدالله و 4% فهد.
  • 15% الدراسات المالية والتوقعات والجولات الإسثتمارية: 6% محمد، 6% عبدالله و 3% فهد.

بنهاية الشهر الثامن عشر، تم إنجاز كافة المهام المطلوبة، كيف يتم توزيع الحصص الإضافية؟


يتم احتساب النسب بإضافة القيمة الإفتراضية لكل شريك، على جدول المساهمات النقدية.

Partners_Cash_Cont3

معامل الفرص الضائعة أو الخطورة على الأفراد:

في مثالنا السابق، لو توقف المشروع لأي سبب من الأسباب في السنة الأولى، فإن الضرر سيقع على الشركاء بدرجات مختلفة.

  • يمكن القول بأن عبدالله هو أقل الناس عرضة للضرر، لكونه يعمل في وظيفته ودرجة انكشافه لا تتعدى ال 2,000 ريال التي كان يقتطعها من راتبه ويضعها في المشروع بشكل شهري، وكذلك عمله الجزئي في الشركة بعد الشهر السادس لا يجعله في مركز خطر.
  • فهد خطورته أعلى من عبدالله، ولكن انكشافه لا يتعدى مبلغ ال 50,000 ريال، والذي قد لا يعد انكشافاً كبيراً لو درسنا كيف تم الإتفاق بين الشركاء على تسديد هذا المبلغ. ربما أمكنه استرجاع جزء من المبلغ عند فشل المشروع.
  • محمد الذي يعمل على المشروع بشكل كلي هو أكثر الثلاثة مخاطرة، خصوصاً وأنه لا يملك وظيفة أو مصدر دخل آخر.

لذلك قد تحتاج لمراعاة هذا المعيار عند المحاصصة. فقد تقرر إعطاء حافز أو حصة إضافية لمحمد نظير مخاطرته وتفرغه الكلي للمشروع. وتكون هذه موزعة على حياة المشروع. طبعاً هذه النسبة قد تكون بسيطة وقد تشجع في مثالنا عبدالله على التفرغ المبكر ومحاولة إنجاح المشروع. لا يوجود معيار لتقدير النسبة الإضافية ولكنها تقديرية، ويجب أن تتناسب مع الحالة. فمحمد لو كان موظف في شركة مرموقة، وسيترك عمله يجب أن يكون هناك حافز إضافي أكبر، من لو كان محمد في الأصل عاطلاً والحافز فقط لمنعه من التقديم على وظائف جديدة.

ملاحظة مهمة/ هذا النموذج هو مقترح ومحاولة لمساعدة المؤسسين على توزيع النسب فيما بينهم بشكل عادل. الأساس طبعاً المفاتحة والصراحة بين الشركاء، وتوثيق الإتفاق فيما بينهم على الورق، وربط الحصص بأهداف واضحة وقابلة للقياس.

لديك تجارب في المحاصصة وتوزيع النسب بس الشركاء، متأكد أن هناك الكثير ممن يرغبون بسماع قصتكم، شاركنا إياها في التعليقات.

نكمل الحديث عن التقييم في المقال القادم بإذن الله تعالى!

 

4 أفكار بشأن “تقييم الشركات الناشئة: القيمة التأسيسية”

    1. لا… لو كان هناك اضافة اي تمويل مالي, سوف ينعكس هذا على قيمة المساهمة. كما هوا موضح مع عبدالله و محمد, بحيث أنا عبدالله بدأ ب 2000 و كان يمول المشروع 2000 ريال شهريا.

اترك رداً على Salma إلغاء الرد